أيتها الأحزان اهطلي على أرضنا، ويا أيتها المصائب اهوي على رؤوسنا، فهذا ظهر الهلال قد تحدّب وصار كقوسٍ اصطبغ بدماءٍ متناثرة من جسد الشهيد !

يا أرض لا تقرّي وزلزلي السكون في نفوسنا، أيقظي الجنون في عقولنا، فحسينُنا يُلقى بعد أيامٍ على حرّ الثرى، تتمسّح بجُراحاته خيوط الشمس حزناً، فيتلوّى جسد القداسة ألماً..

ايها الهواء اشتعل عند دخولك أجوافنا واملأ خلايانا لهباً من هجير الطف !

اجعلونا نبدو في هيئة الفاقدين المفجوعين، حتى إذا ما مرّ صاحب الزمان علينا رآنا على حالٍ ترضيه عنّا، فلا يرانا ضاحكين ولا مثرثرين في مجلس العزاء الذي هو المعزّى فيه .

يا طائر الحزن خيّم على رؤوسنا ونكّسها لكي لا نستطيع فعل شيءٍ سوى البكاء في مجلس المقتول ظلماً ودع أنفاسنا المهمومة تقتلنا وتُدمي حناجرنا عندما نخرجها من داخلنا..

ويا عيني تأملي جيداً لتري ذاك السهم الذي اشعلته الشمس حرارةً ثم استقرّ ليبرد في عين العبّاس ! ذوبي هناك وارخصي دمعك الغالي على الذي لا يغلى عليه شيء، املئي جوفكِ من الفرات واغسلي الدماء الجامدة على عين العبّاس حتى يظلّ بصره يحمي العقيلة..

يا قلبُ اذهب للمعركة وابحث عن جسدٍ مقطّع واعضاؤه متناثرة، فإن عرفته تمدّد بجانبه ونادِ على الدُنيا بعدك العفا يا علي. ابحث عن شبابٍ ملائكي بجانبه زينة العُرس قد اختضبت بدماء رأسه، واندُب شبابه..

ويا روحي تسربلي بالجزع وتعلّقي بأثواب نفس المصطفى لتسمعي صراخ الرضيع على يديه، ثم افزعي من النبلة التي ستقطع ما بين أذنيه..

بعدها..اذهبي لخيمة زينبٍ وتشبّثي بعبائتها واخرجي مهرولةً معها لتصل إلى أكمةٍ مُدمّاة لتنادي “اللهم تقبّل منا هذا القُربان”..