قريبًا سَتهبِطُ الملائكة وأجنحتها مُلطَّخة بالدِّماء الطاهرة، جَزِعة مع الجموع البشرية، إذ تجمعهم المصيبة!

فكُلما ذُكِر مصاب الذِّبح العظيم في مجالس أهل الأرض جاءت قوافل الملائكة بجفون مُلئت دمعًا غزيزًا، تحمل بين راحاتها قوارير من فضة، تجمع فيها ما يتقاطر ويفيض من دموع المحبين، وبعضها تركت قواريرها جانبًا واشتركت مع سكان الأرض بالنُدبة والآه، فوجوه الملتاعين المكتنزه بالوجع والألم شغلتها عن القيام بأي عمل!

المخلوقات في أعلى عليين جاءت محملة بالألم الدفين، على حجم الفاجعة، منذ عام واحد وستين هجرية والغصص تخنقها، فالأعمال الإرهابية التي مارستها قوى الشر لبني أمية وزبانيتها على أركان التوحيد، محاولةً القضاء على الأنوارِ القُدسية المحدِقة بعرش الله، يدفعها إيمانها بأهمية تحقيق الرذيلة على الأرض، ولَّدت مقاومة باسلة للقوى الكونية المؤمنة لمواجهتها وصمودًا لم تعهده الأرض من قبل!

هذا الصمود الذي يستمد شعلته من الدُّموعِ المُنحدِرة من الجفون، هذه الدُّموع ليست قطرات ماء فحسب بل هي نور، والملائكة أكثر المخلوقات _باستثناء الآل_ تعلم حقيقة النور كيف لا وهي خُلِقت منه؟!

كما وهي التي ترى حقيقة الدموع ونورانيتها في عالم الملكوت! رغم أننا معشر البشر قد يؤمن بعضنا بما جاء في الروايات عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم في أثر إحياء مجالس الحسين والدموع على طهارة الروح وهُدَاها إلاَّ أننا لا نرى تَجسُد هذه الحقيقة في السماوات العُلى كما تراها ملائكة الرحمن!

الملائكة تهبط لتبكي حسين الله مع الباكين، فهي تدرك الفيوضات الربانية والهبات الحسينية التي ستنالها من جرّاء هذا الهبوط الذي هو في الحقيقة صعود وعروج!

هذه الحقيقة تدفعنا لمواصلة الإصلاح الحسيني، واعلان الحرب على استعداء بني أمية على الشريعة السماوية، ليس بني أمي فحسب فكل من ينتهج نهجها وكل ارادة تحاول طمس الدين علينا تحطيمها وكسر عزيمتها.

لذلك كلما تجذرت هذه الحقيقة في عمق وجداننا وآمنا بها تترجم الإيمان القلبي إلى فعل سلوكي ملموس في أفعالنا وسلوكنا.هذا الإيمان الذي يدفعنا للدفاع عن عقائدنا وهويتنا الدينية ووجودنا ووجود الفكر الصالح الإيماني الذي بذل الحسين مهجته من أجله، حيث لم تكن حربهم من أجل ازهاق روح الحسين فقط، بل كان الأمر أوسع وأشمل، فالغاية هي انحسار التقوى واشاعة الفاحشة في كل المجتمعات تمهيدًا لعصر اللادين!

هذا الإيمان الذي يدفعنا للتنافس في اهطال الدموع على مصاب وجه الله الذي منه يؤتى!

وما هذا الإيمان المتوقد في الجنبات إلا محصلة للمفاجأة التي أذهلت العدو الغاشم المتمثلة بالصمود الإستثانئي لبنات الرسالة، لزينب وبنات الحسين، بعد إن قُطِّعت أوصال الحسين ورَضَّت صدره الخيول الأعوجية، وذُبِحت عياله ! هذا الصمود الذي ولدَّ الثبات في الكون ودفعهم للنضال والدفاع عن الحق بكل ما أوتي من قوة. وما الدموع الاَّ سلاح المظلومين المقهورين يدحرون به العدو كلما شَهرُوه! ولو رفع عنك الغطاء لوجدت الملائكة يشاركون في كل طقس حسيني يُقام على طريق استمرار ذكر الحسين وآله.

إذًأ ويبقى الحُسين آية البُكاء.