أن تنقطع عن العالم كله للوصول لمحبوبك هو أمرٌ لا يتكرر كثيراً، فتعدُ الزاد والراحلة وتودّع كل شيء في رحلة عشقٍ وشوق لا يكدرهما زحامٌ أو تعب فالروح تسير بالجسد بنشوة لحظات اللقاء المرتقبة بلا أهل ولا عمل ولا الدنيا بأسرها، وليس ذلك وحسب فهي رحلةٌ للعودة بالزمن لكن مع كامل خبراتك وتجاربك، هي محو للماضي والعودة من جديد كيوم ولدتك أمك لكن مع كامل وعيك وقدراتك، العودة للروح النقية الناصعة لكن مع جسدٍ وعقلٍ ناضج جرب الخوض في الظلام وعرف أن النجاة لا تكمن إلا في النور، هذه الفرصة تأتي في السنة مرة واحدة بالنسبة للزمان أما بالنسبة للأشخاص فقد لا تأتي إلا مرة واحدة والفائز من استثمرها فطالت معه مدى العمر.

تبدأ هذه الرحلة في ليلة القدر بعد أكثر من ثلثي شهر قضيناها في ضيافة الله حيث تُخط أسماء البعض لإتمام الضيافة في بيت الله وتعبد الطرق وتسهل الأمور للوصول، لكن قبل الدخول ولنيل كامل بركات الضيافة يُشترط التجرد من الأنا من الدنيا وحبها ومن كل شاغل عدا الله، وبلبس الإحرام تعقد كل خطوة قربة لله.. كل خطوة مفردة بكل رفعة قدم وإنزال أخرى بكل نفس وكل نبضة قلب، ومع أولى خطواتنا نغرق أكثر وأكثر في معنى أن تكون حياتنا قربة لله، نغرق في ذواتنا فنجدها بعد أن غطتها حجب الدنيا، ونجد ربنا ومعبودنا خالقنا الرحمن.

نغمض أعيننا عن أنوار الدنيا الباهتة الزائفة لنجد نور الله الساطع، ونندمج مع الحشود من كل بقاع الأرض لنطبّق عملياً في هذا الفرض الاجتماعي كيف نكون دائما مع الله ولا تتحرك قلوبنا إلا بنجواه في حين أننا ظاهراً مع البشر مع الجميع متساوون، ونعاملهم بمبدأ المساواة هذا بصدق وتواضع وحلم، في أيام معدودات نكون فيها ما خلقنا لأجله بحق، نكون فيها أروحا تسعى للخلود لا أجساداً تخشى الفناء، فننبذ الدنيا ونرجم شيطانها بلذاتها بل ونذبحها على صراط الحب في هجرة أبدية وتوبة نقية لله عز وجل، مئتمين أثناء ذلك بخليل الله إبراهيم عليه السلام. أعتقد أن لا شيء يعادل الحجة الأولى السعي الأول والغفران الأول.