كنتُ أظنّ أنّ ذلك يحدث في قصص الطفولة الخيالية فقط وأفلام الرسوم المتحركة حين تتمنى شخصياتها وهي واقعةٌ تحت تأثير انفعالٍ ما أمنيةً تندمُ عليها لاحقاً وتتمنى لو أنها كانت أكثر حذراً بما ينطق عنه لسانها، كنتُ أظنه ضرباً من الخيال لكن الأماني تستجاب وتحدث بصورةٍ لم نتوقعها وإن كانت لا تتحقق بالطريقة التي تخيلناها بها فتتجاوز تفكيرنا المحدود وتصير جزءاً من واقعنا بطريقةٍ مدهشة، لكن ليست كل أمنيةٍ مجنونةٍ في لحظة ثورةٍ على الواقع وهيجان مشاعر قابلةً للنطق بها أو حتى مجرد التفكير بها.

 هذا ما حصل تماماً لرؤى حين كانت في زيارةٍ لصديقتها المقربة نبراس وحيدة والديها والمدللة بشكلٍ واضح في أسلوب معيشتها وتعامل والديها معها، تنهدت رؤى وتمنّت في قلبها أنها مكانها تنعم بالدلال والحب وحيدة بلا أختين تقاسمانها كلّ شيء بل وتعكران يومها أحياناً بمجادلات عقيمة وشجارات لا تنتهي، وحين خرجت والدة نبراس من عندهما نطقت رؤى بما أضمرت وشرعت تسرد ما يزعجها من أختيها بتململ من واقعها بعدما رأت واقع آخر تمنته في حين كانت نبراس تضحك قائلةً: أنا من أغبطك فليت لي أختاً واحدة على الأقل أشاطرها أحاديث روحي.

 افترقت الصديقتان وبعد بضعة أيام وحين كانت نبراس تمشي برفقة منى طالبة قسم العلوم التي تعرفت إليها في محاضرةٍ سابقة وتتحدث معها بعفويةٍ لم تعتدها حتى مع رؤى، عفوية تنطقُ بأحاسيس قلبها أن هذه الفتاة ليست مجرد زميلةٍ أو صديقة بل إن كل هذا الانسجام والأريحية بينهما رغم عمق اختلاف بيئتيهما ومعتقداتهما وتوجهاتهما، كل ذلك يوحي بعلاقة إخوّةٍ لم يخلقها رحم أو دم بل أرواحٌ انسجمت وتآلفت، أثناء تلك النزهة القصيرة المقتطعة من جدولهما المزدحم بالمحاضرات رنّ هاتف نبراس وكانت والدتها تنبأها بكلماتٍ منتقاة متقطعة لم تنجح في تخفيف هول الصدمة والألم بأن صديقتها رؤى تعرضت لحادثٍ مع عائلتها نجا منه والديها بجروحٍ وكسور بينما رقدت بناتهم الثلاث في قسم العناية المركزة في المشفى، ولم يحل مساء ذلك اليوم حتى فارقت أختي رؤى الحياة وبقيت هي.. وحيدة! نعم هو قدرها لكن ذلك لم يخفف من ألم أمنيةٍ تمنتها في لحظة وباتت خنجر ندمٍ مغروساً في قلبها بقسوة مدى الحياة.