إن معاوية لرجل سياسة وداهية، يستميلُ إليه أصحاب القلوب الضعيفة والفِكر الساذج، يتوغل نقاط الضعف في قلبِ الخصم ويجبره على الانحياز لشيعتهِ.
فهل نحن من ثُلةِ الضعفاء الذين يخضعون لمغرياتٍ تافهة؟ أو من كومةِ البسطاء الذين ينحازون بلا تفكير وتحرِّكْهم الأمواج أينما أرادت؟!

 

بدأت صفين وما انتهت حتى الآن، بدأتْ برجالٍ كنّا نُعدّهم من الأخيار حتى ساقهم الضعفِ إلى مُخيم الظلام الدامس، فكيف يثقون بأشباه الرجال لا بل أقل، ولا أعتقد أنهم ينتمون لفئة البشرية!
معاوية لم يعبأ حتى لأحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله فحينما برز عمار بن ياسر للمعركة تذكر الحديث النبوي الشريف (عمار تقتله الفئة الباغية )، لكنما تجددت في قلبه الأحقاد ولهفة الولاية البائدة، وكيف يعبأ للرسول ولأحاديثه-صلى الله عليه وآله- وهو برز ليُقاتل من أوصى بهم الرسول.!

 

حينها وَمَضَتْ فكرة شيطانية في عقله، رَفَع المصاحف على رؤوس الرماح، ليُزعزع مُخيم الإمام علي-عليه السلام-، يستفزُّ بفكرته الجنود، حتى تمكّنت لهفته من القبضِ على بعضِ القلوب حتى صار البعض يندَّد بقتلِ الإمام المعصوم، فأين تدرّج الإيمان ولأي ضحالةٍ سقط!؟

فتأجّلت صفين لعهدِ الإمام الحسن عليه السلام لكنه في كلِّ مرةٍ صار يستميل من يقدر عليه، حتى وصل لبعضِ قادة الجيش بعدما أدرج في قلوبهم سموما لاهبة، وتفرّق الجيش الذي عاهد أن يمضي الفلوات في سبيلِ إبادة الطاغوت، ولكنما تداعت أرواحهم وسجدت للشيطانِ ليكشر أنيابه فرحا بذلةِ الخاضعين.!


وسافرت صفين عبر الزمان تبكي على تخاذل البشر أمام طاغوت ترفّل ببضعِ سنين أوْدعها لجهنم هدية، ثم تجلّتْ الكوفة برسائلها التي تدعو الإمام الحسين –عليه السلام- للمُضي  لمقاتلة طاغوتِ عصرهم تُعاهد أن(أقدم علينا فإنك إنما تقدم على جند مجندة)، ولقد أنكرت رسائلها وباتت على فراشِ الذعرِ مبيت التائهين.

ولقد تجبّرت هذه الفئة الباغية عهدا من الزمان تقتلُ وتشرّد آل بيتِ النبي باسم دينيها المتهالك، دين الضغينةِ والشر.

وانحسر الزمان، حتى جاء عهدنا، عهد الانتظار والتأمل، ومازالتْ القلوب تقرعُ نواقيس الولاء وتتلهّف لحضورِ إمام الزمان، والكلّ صار يُناجي للفتحِ القريب، لزوال دول الشرك وتحطيم عروش الجبابرة، الكل يتلهف و يُمنّى نفسه أن يكون من ذلك الجيش المهدوي.
ولكن لكلِّ قلبٍ خاطرة تمرُّ وتعصرهُ شوقا، هل أكون من أنصارِ إمامي؟
إن النصرة تحتاج لغذاءٍ روحي، لتعبئةٍ فكرية بأنواع المعرفة القدسية ليتقشّع ظلام الجهل، لكيلا يكون كجنودِ صفين الذين كانوا يتربّعون على قمةِ الشرف فانحدروا لمستنقعاتٍ ضحلة ولكيلا تكون رسائله المُشتاقة والتي تُجدد العهد في كلِّ يوم كرسائل أهل الكوفة.

إن المُحبَّ لَا يتوانى على أن يحمل روحه على راحتيهِ ويلقي بها في مهاوي الردى، فداء للحبيب، إنَّ المحب تغدو روحه طيّعة في محرابِ نجوى الحبيب، إن المحب يتتبّع أخبار الحبيب ويتشّوق للقراءة في سيرتهِ وتاريخه وعنه، إن المحب يتجنّب كلَّ رذيلةٍ تُؤذي قلب الحبيب ويتلّهف لكلِّ الأعمال والطاعات التي من شأنها أن تُدخل السرور على قلبِ الحبيب.
فما أقسى قلبي وأنا أُجرد سهام الأذية وانساق لشباكِ البؤس، أسجدُ لشيطانٍ مريد فتلوح إمارات النقص على روحي، ذلك الشيطان الذي أمرهُ الله أن يسجد لآدم ليكتمل نقصه، فما بالي لا أُبالي، أُمنّي نفسي بنصرةِ سيدي وأنا لا أتفانى لتطهير روحي وتهذيب نفسي.
حريٌّ بنا أن نُجدد في كلِّ يومٍ عهدا وعقدا وبيعةً تُجلِّلنا من قشرةِ الجسد إلى إهاب القلبِ إلى أعماقهِ.


لنكون من أنصارهِ حقا حقا.