أَوشكُ أَنْ أَخرُّ صَعِقًا كُلَّما تَردَّدَ صَدى اَلأَصوَات اَلمُحطّمةُ اَلقَادِمةُ مِنْ بَعيد في دهاليز أُذني الضيقة. أَشعُرُ بِضيقٍ وَغُصَصٍ تَخْنِقُ الهواء المؤكسج في رئاتهم، نَظَرْتُ لِوجُوهِهمُ الرَّاجِفةُ مِنَ الخوفِ، أَعيُنَهُم تَفْيضُ حُزنًاعَمِيقًا، قُلُوْبُهمُ وَجِلةٌ، يَقِفونَ حُفاةً عِندَ ذَلِكَ اَلْبَاب، مُتَعَجِبٌ مَذْهُولٌ وَقَفتُ أَتَصفحهم، اَلذُّهول أَخرسَ لِساني وَعقَدهُ، أَنَا لِهذِهِ اللّحَظَة  لَا أَعلمُ كَيْفَ اسْتَطعتُ اَلمُحافظَةَ على نَبْضَ قَلبي، رُغمَ الألمِ الشديد الَّذي اِعْتَصَرنِي لَحظتُها -ليس لحظتها بل كلما استرجعتها أجدني أتَلوَّى حُزنًا و ألمًا-.

اِقتَربتُ مِن أَحِدهم، مَلابِسهُ مُهتَرِئةٌ، تُنبِئُ عن يُتمِه، وَجْهَهُ مُصفرٌ شَاحِب، شِفتاهُ لاَ لونَ لَهما، وَاضِعٌ قَدحٍ صُنِعَ مِنَ الخزفِ بَينَ رَاحتيِه يَتأمَلُهُ بِعُيونٍ مِلؤها حَسرةً وألمًا.

لم أكن بأحسنِ حَالاً مِنهُ،فأنا أيضًا كِنتُ مُنتظرًا لِيُفتحَ ذَلكَ الباب العتيد والألمُ يَعتَصِرُنِي.

فُتِحَ الباب، خَرج رَجُلٌ نوراني ذو هيبة، أبيضَ اللّون مُشربًا بِحمرة خطفَها عُظمَ الَمُصاب!  اكِتَسىَ وَجْهَهُ بِالحُزُنِ (أَلَمْ أَقُلْ لَكمُ تَفرَّقُوا يَرحَمُكُمُ الله؟!)

أَلقى الأّيتَامُ بِأَجْسَادِهِمُ اَلنَّحيلةُ على جِدرانِ الدّار، يَتَمَسَحَونَ بِها يَتَوَسلونَها بِحفظِ الَجسدِ المُسَجَّى بِداخلها، أقداحهم التي جاؤوا بها لعلاجِ الرّوح المُتأهبةِ للرَّحيل سكبت لبنها، أرواحُهمُ الحيرى لمْ تَعِد تَستَطِعُ صَبرًا لِكبتِ الآهاتِ والزفرات.

في لحظةٍ، خَفتَ بَريِقُ النُّجوم، اشْتَدَّ الظَّلام، ضّجَّتُ السَّماء بِالبُكاء، وَهبَطت الملائِكةُ زُرَافاتٍ زُرَافات لِلبيتِ اَلْعَتِيقْ، كانَت الأفواجُ تَصعَدُ وَأجنِحتُها مُلطخةٌ بالدِّماء!

جَاسَ اَلحُزنُ القُلوبِ، أَحداقُ الْيَتْامَى مُلتَهِبةٌ بِالدُّموع، نَظراتُهم تُنبِئُكَ بحجمِ الغُربَةِ التي تَنْتِظُرُهُمُ بَعدَ فِرَاْقِ (اَلْقَائِدُ اَلْعَظْيم)!

هُنَا، فِي هَذِهِ الأَثناء شَعِرتُ بِالأسِى يَدُّبُ بُيِوتَ الكوفة، كَادَ قَلبي يَسقُطُ بَيْنَ قَدَمي، أمَّا الفَتى فما بَرِح مَكانه، لا زَال قلبُه يَنبِضُ بِالأمل، أسمعُ حَسيِس نجواه مع أترابه.

صرخ الفتى والشجى عَالِقٌ في حَلقه(لا، الرّوح التي غَمرت العَالَم بِالنُّورِ لا تَرحل، لا تَرحل أبدًا، الرُّوح التي تُحيي الأرَواح لا تَموت، فكيف لِلمُحيي اَلمَوت!أنبئوني يا أهل الأرض، باللهِ عليكم كيفَ للمحيي الموت؟)، أخذ يَركِلُ الأرضَ بقدَمِه (عليٌ لاَ يَهوي فِي اَلمِحرَاب! عليٌ يَصعدُ للِسَّماء، إنُّهُ الجهل الذي لفَّ  الجسدَ الإنساني فَأسْكَنَهُ حُقدًا على قَائِد الكون، لقد جَرّعوه غُصص الظُّلمِ بجميعِ ألوانها، لَقد عاش فيهم غريبًا مَظلومًا مَقهورًا.. إنَّهم لا يَستحقونَ بَقاء هذه الرُّوح الطّاهِرة بينهم، لَروح سَكن الله في أحشائِها أَحقُ بالتَقديسِ والإجّلالِ لاَ القتلَ والإغتيال).

الفتيةُ يَنظِرونُ إليه وَقد تَشظّت بُؤرهم انتقامًا مِن أشقى الأوّلينَ والآخرين شَقيق عاقِرُ نَاقَة صَالِح. يَنتظرِونَ مَوعِد الفتح، ليزهقون روحه المتمردة على الله، المَسكونة بالضلال، روح الثعبان اللعين، التي أيتمتهم مجددًا فأطفأت شموع البسمة التي رسمها علي على وجوههم الناعمة.

أيقنتُ أنَّ عليًا بَثَّ فيهم مِن روحه، فأضحت أبَصارهم تَنظِرُ مَا خَلفَ أَسوَار اَلآفَاقِ البَعيدة، تُهاجِر في سَماء المَعنى، بينما أَنا وقفتُ مُتَعجِبًا أمام َحَضرةِ المَوت.

هَمَمْتُ للإِمساكِ بِتلكَ الرّوح البريئة، لَكِنها أَفلتت مِن بينَ يَدَيَّ وَهي تُتَمتِم (سَيدي، سَتبقى أَنت ساكِنُ دِمَائنا، أشعلتَ فيها ثورةُ حَقٍ ضِدَّ الباطل، وها هي تُغذي عُروقِنا لَعنَ عَدو الدين).