تشلني الدهشة لعدة ثواني يُجري عقلي خلالها بحثًا سريعًا علني ألقى ما يناسب فعله في هكذا موقف ثم لا ألبث أن أجري لأستدرك الأمر، وها أنا ذا بين طفلين لا يتجاوزان الرابعة من العمر أحدهما يبكي بشدة ويمسّد خده المحمر والآخر ينظر لي ببراءة فقط ولا ألقى لأسئلتي سوى إجابة واحده: هو من بدأ، وحينما أعجز عن إقناعه بالاعتذار أعتذر لمحمد أرتب شعره وثيابه أمسح دموعه وأقبله وأعده بأن أمير لن يكرر هذا الأمر، ثم ألتفت لأمير وأطلب منه وعدًا ككل مرة بأن لا يضرب أو يسبّ أحدًا مرةً أخرى فيوجه لي نظراته البريئة مجددًا ويعدني مجددًا ويذهب وأنا متأكدة بأنه سيكرر هذا الأمر مجددًا.

خرجتُ عند نهاية اليوم وكان أمير يجري أمامي بحيوية ويلوح لي مودعًا لوحت له، ثم مشيت بضع خطوات وأنا أفكر بأمره حتى سمعت صراخًا خلفي فالتفت لأجد أمير منكمشًا على ذاته وقد اختفت حيويته ووالده يصرخ عليه وينعته بنعوت لا تبعد أبدًا عن حديقة الحيوان، ثم جره من قميصه ووضعه في السيارة بقسوة ورحل مخلفًا هدوءًا في المكان وضوضاءًا لم تنته حتى الآن من عقلي.

كيف نريد لأولادنا أن يكونوا مهذبين راقين في تعاملاتهم إن لم نعاملهم بالمثل ونعودهم على مثل هذه التصرفات، للأسف غالبًا لا نولي أطفالنا الاحترام لأنهم مجرد أطفال أو حتى صغار أو أنهم أبناؤنا وإخواننا فلِم نتعامل معهم بـ” لو سمحت وتفضل وشكرًا ” ناسين أو متناسين أن التأثير الأكبر في تربية الأطفال يكون بمراقبة وتقليد تصرفات الوالدين بالذات خاصة في السنين الأولى وقلّما يكون بالتوجيه والتعليم.

ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وآله- والأئمة الميامين -عليهم السلام- أسوة في تعاملاتهم مع أطفال المسلمين وفي تعاملاتهم مع أبنائهم، فقد كان الرسول -صلى الله عليه وآله- يكرّم الأطفال إلى حد بدأهم بالسلام كما نُقل أنه كان يُسلم على الصغير والكبير، أما أئمتنا الأطهار فكم من الروايات تنقل لنا بأنهم أوكلوا لهم حل المسائل العلمية ويحيلون لهم الإجابة على أسئلة الناس، وأكبر دليل لنا هو الإمام علي -عليه السلام- الذي تربى في حجر الرسول -صلى الله عليه وآله -حيث كانت له شخصيته المستقلة والواثقة حين دخل في الإسلام وهو ابن عشر سنين.

احترام الصغار يكون باستخدام الكلمات السحرية معهم حتى قبل أن نعلمهم استعمالها، بإفساح المجال لهم لإبداء آرائهم، بتعويدهم الإعتماد على أنفسهم في الاختيار، وفي أداء ما يقدرون على فعله بل وبتوكيل بعض المهام الصغيرة لهم لإنجازها، والثناء على إيجابياتهم، بل حتى باللعب معهم كما أمرنا رسولونا الكريم حيث قال: (من كان عنده صبي فليتصاب له)، فكل هذه الأمور تنعكس عليهم فيؤدونها بطبيعية تالياً وتعزز في أذهانهم  بأنهم أفراد لهم كيان مستقل مثلنا تمامًا كما تزرع في قلوبهم الثقة ليكبروا بنفسية سليمة ويكوّنوا جيل راقي واثق وبالتالي مبدع.