أتأمل وجهًا لوحته آثار الزمن والشمس فلم تزده إلا ودًا وهيبة، مدّ يدًا معرورقة نحو كأس الماء وارتشفه على مهل متمتماً بعدها بالسلام على الغريب العطشان والتفت إلي قائلاً بأن حرارة الجو ارتفعت بشكل مفاجئ، سألته: ألا تتعب من طول الطريق؟ كلا، عند الظهر فقط فرددت عليه بمقطوعة يبدو أنه حفظها فقد قاطعني بابتسامة قائلاً: بعد سبعين عاماً لا يمكنني الاستلقاء والنوم فقط، أخرج صباحاً بجسد منهك وأعود مساءًا بنشاط وطاقة، إحياء الأرض يحييني وجعل تلك القطعة الصغيرة جنة هوايتي.

خرج وأصداء حديثه ظلت تتردد في عقلي طوال أيام تثير فيّ تساؤلات تجاهلت إجابتها مطولاً فكيف سمّى هذا الشيخ الكبير فعله بالهواية، وكيف يوليها كل هذا الالتزام والجد والإتقان بل كيف يجد الراحة في العمل. هذه التساؤلات لا تبحث عن إجابات بقدر ما تستنكر وضعنا الراهن وتُقلّب مفاهيم لطالما وطنّا أذهاننا عليها زعمًا بأنها الطبيعة التي جُبلنا عليها.

حتى الأطفال اليوم يجدون أن معنى الراحة يكون بالجلوس بلا عمل، بإنفاق ساعات من أعمارنا لانفعل فيها أي شيء حتى التفكير ثم نزعم أننا لا نجد الوقت لممارسة صقل ذواتنا على الأصعدة المختلفة جسديًا وروحيًا وفكريًا.

هذه الأجساد بطاقاتها المذهلة والجبّارة من قدرتها على التكيف والمرونة والالتئام والتجدد، وعقولنا التي نعرف كل يوم أكثر أنها قادرة على فعل ما لا نتوقع، وأرواحنا التي بمقدورها أن تُسخّر كل ذلك وتُسيره نحو ما تشاء.. كلٌ منّا سُخّرت ووهبت له مواهب عظيمة من المُحزن أن تُعطل وتُهمش.

سعينا لتطوير أنفسنا، للحفاظ على صحتنا، لتنمية ثقافتنا ولتهذيب أرواحنا حتى وإن تعبنا لحظيًا سيهبنا الراحة نفسيًا وروحيًا وحتى جسديًا، لذا فلنعمل ولنجد السبيل الذي يهبنا الراحة الحقيقية بهواية جميلة نحبها ونحب أن نملأ بها ساعتنا بما لا نتحسر عليه لاحقًا وحتى لا تأتينا لحظات نتمنى فيها زيادة أعمارنا أو عودة زمن لن يعود.