الضوء في نهاية الطريق ليس بذلك الأمر الهام.

الظلمة تسرق ما تبقّى من نور لتغرسه في صدرها، تُخفي كُل أشكال الدفء، تبثّ البرودة في العِظام، ويُهيمن صمت ملامحها، خلا المكان إلا من ضوء خافت بعيد، أتابعه مثل الحشرة المُنجذبة إلى اللهب، تركت حقيبتي على الرمال، أجرُّ خطاي إلى البُقعة البعيدة، قبسٌ من نار يتراءى لي، يتعاظم كُلّما اقتربت، أتعثّر بصخرة أو حُفرة، لستُ أدري، فالظلام لا يمنحني ترف التعرّف على الأشياء، وسرعتي في الاتجاه ناحية النيران لا تسمح لي بالتفكير المفرط.

اقترابي يكشف لي عن همهمات متداخلة، أتباطأ خوفاً، يُمسك بيدي، أنتفض، أنظر في الفراغ عبثاً.

“لا تخف” حدّثني بصوته الدافئ، وأكملت المسير وهذا المجهول يمسك بيدي من رسغي، ابتسم اعتباطاً، أرتجف بلا قرار. “ستشعر بالدفء بالقرب من النيران” يُطمئن قشعريرتي، وصلت إليهم متحلّقين حول النار يتحدّثون بلغة عربية فصيحة، قهوةٌ تُطبخ وبعض الفاكهة والتمور بين أيديهم، نظرت إلى وجهه سمحَ الوجه تُغّطي وجهه لحية خفيفة ويمتلك جرحاً واضحاً فوق عينه اليُسرى. حللت أهلاً وسهلاً كُنّا بانتظارك، قالها وأجلسني بينهم، هممت بالهرب، لم أقدر، فكّرت بالاعتذار والركض إلى الظلام لكنّي لم أتحرّك، اخفضوا صوتَ حوارهم، وتحدّث الكهل فيهم بعد أن تنحنح وصمت الجميع.

“ليس من الضروري أن تقبل كل شيء على انه صادق، بل ان علينا أن نقبله كشيء ضروري!” قالها بصوتٍ غاضب وهوَ يتحدّث إليّ مباشرةً -كما أظن- وأكمل بأنفاسِه المتقطّعة “في النهاية، ليس بيدك إلا أن تقبل الأشياء كما هي. وقبل هذا وذاك، لا تلفت الأنظار إليك! أبق على فمك مغلقًا، مهما كان ذلك ضد طبيعتك! وجب أن تفهم أن وراء هذا النظام العظيم للعدالة حالة من التوازن” يا إبني. فأنت الآن طاقّة شابّة تعبث بعقلكِ بلا تردد. لم أفهم لمَ يوجّه الخِطاب إليّ إلى الآن، والبقية يطالعون وجهي المتعرّق بترقّب. لا أتمكن من الفرار فالدفء المُخادع لا يُمكّن أطرافي بهذه الصحراء الباردة، أنتظر بقيّة الكلام إلا أن وجهه المليء بخطوط الزمن يرفض التحرّك، فمه لا يَنطق. تذكّرت .. تذكّرت، وقُلت: كافكا، المُحاكمة أظن. انطلق تصفيق متشابك مشكلاً صدى مُتكرر بشكلٍ مهيب تحت سماءٍ بلا قمر، ضحكوا وقال الذي يرتدي بنطالاً بينهم: هوَ هوَ أخبرتكم سيصل في أيّ لحظة.

تحلّقوا حولي، قدّم لي صاحب الجَرح الساكن فوق عينه اليُسرى فنجان قهوة، وحدّثني بصوتٍ خفيض، أنتَ الآن واحد منّا، بكَ اكتملت هذه الحلقة، سنبدأ قريباً بتقديم القرابين، لنرقى جميعا. امتلأ صدري حرارةً قدمي يمشي داخلها النمل، يدي لا تتحرك، أبحلق في وجوههم .. لا أعرفهم.

نُعاسٌ؟ شيء من الارتياح يغطّيني، مدد أحدهم “بِساطاً” لستُ أدري من أين جاء به، أمسكَ بكتفي. نَمْ لا تقلق نحن هُنا. قالها شخصٌ أصلع الرأس كان يجلس قبالتي.

عندما استيقظت كان النهار يصرخ في الصحراء، والنار استحالت رماداً، ولا أحد بالقرب منّي، أفترش البساط وحقيبتي تبدو أنّها على مسافة عشرة أذرع. تحرّكت ببطء شديد، أبحث بعيني عنهم، لا أحد. سأعود إلى المنزل الآن، لا شيء خطير حدث، وماذا يُمكن أن يحدث؟.

.. يتبع.