جلس الحاج البجَلي، مُتعبًا من السيرِ الحثيث على الجمال، غرس رحله في بطن الصحراء، ربط دابته وعلّق درعه وسيفه. أرجع رأسه إلى الوراء ورفع القربة ليروي عطشه.

هيأت زوجته الطعام، وجلس معه صحبه يتبادلون الأحاديث، وينثرون الضحكات في فضاء الفلاة وهم يستذكرون انقضاء مناسك حجهم، إلاّ زهير كان الألم عالقًا به/ يسكنه/ يستوطنه وهو يستذكر ما حدث يوم التروية. سمعوا صهيل خيل رجل جاء يسعى نحو فسطاطهم المنصوب، فتلاشت الضحكات.
– (السلام عليك يا بن القين. إنَّ أبا عبدالله بعثني إليك لتأتيه).
تسمرّ رفاقه، وقُرعت طبول الخوف في قلوبهم، أرعبهم رسول الحسين، وحشر الوجل في وجوههم، ألقوا الطعام من أيديهم، والكل عينه مثبتة على زهير البجلي، قائد القافلة، الفارس الهمام.
سألوه والتوجس يتلبسهم:
(ما أنت بفاعل؟)
صمت زهير. ولا أحد من حوله يعلم ما ينطوي عليه ضميره إلَّا زوجته دلهم. حرّرته/ ساعدته في الخلاص من مواجهة صحابته.
قالت له:
(يا سبحان الله أيبعث إليك الحسين بن فاطمة ثم لا تأتيه، ما ضرك لو أتيته فسمعت كلامه ورجعت.)

هزَّ رأسه بصمت. وتبع الرسول.

في طريقه، تهلّل قلبه المتعب من الشوق، المتعب من البُعد، آن لهذا العشق أن يتجلى ويُكشف للعالمين. وطاف به فِكره إلى ما قبل ثلاثين عامًا، وحديث سلمان المحمدي له ولأصحابه بعد نصرهم وظفرهم بالغنائم حين غزوا بلنجر وغنموا وفرحوا بالغنائم (إذا أدركتم سيد شباب أهل محمد، فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم)

أيام التقية تنحسر، وها هو اليوم يزحف نحو حُلمه، للحظة التي عاشها طوال عمره ينتظرها، صحبه يعتقدون بأنه يتحاشى الحسين، والحسين يتقصّاه في دروب الصحراء ولا يعلمون من الحق شيئًا!

ما لبث حتى عاد ووجهه مُسفر. وهمَّ بنقل متاعه ورحله حيث الحسين.
وأصحابه متعجبون من فِعله.

أدار برأسه نحوهم وهو يهم في جمع ثقله:

(من أحبَّ منكم أنْ يتبعني وإلا فإنَّه آخرُ العهد)

ثمَّ حدّثهم بحديث غزوة بَلَنجَر وكلمات سلمان التي حفظها في قلبه ونبت عليها لحمه ودمه.

فجاءه ابن عمه سلمان بن مضارب وانضم إليه.

توجه تلقاء دلهم، ولوعة الفراق تشق قلبه، أخرج صرّة من المال ودفعها لرجل ثقته من أبناء عمومته ليصحبها إلى الكوفة، خاطبها وعيناه ملؤهما كمد، يلتقط صورة أخيرة لزوجته الوفية المضحية ويطبق عليها جفنه، يحتفظ بها في تاموره (أنت طالقٌ، الحقي بأهلك فإنِّي لا أُحبُّ أن يُصيبَك من سببي إلا خيرٌ).

لم يهملها الدمع، ترقرقت حباته صافية، حتى سقطت على جلبابها، وكانت حسرة عدم الالتحاق بركب سيدها الحسين جلية في نظراتها:

– (خار الله لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام)

يتأمل سيفه الساكن في غمده، فجأة أحسّ بقوة تملأ مساماته، وحين لمح خيمة الحسين تبدلت الصحراء الجرداء في عينيه لروضة بهية، وهبّ نسيم الشهادة، فتمنى في تلك اللحظة أن يهب جناحين ليطوي المسافة معانقًا مولاه.
فرّ زهير من الدنيا/ صحبه، مسرعًا نحو الحسين، يشم رائحة السعادة السرمدية، ودلهم أحكمت عتمة البعد وأسدلت ستارتها في قلبها بعد وداعها زوجها الخمسيني/ الستيني.