حدثٌ يدفع حدثًا، والموت ينقش وينحت بفأسه عنق الضياء . تشكلت الرسائل بوعودها الرّمادية، تحثّ الضوء المسير نحوها. وحينما ضاق ذرعًا وامتلأ صدره بالشوق؛ أزمع على الزحف نحو سنابل الشهادة. (فما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف).

وقف السبط. بسناء وجهه وبهاء روحه. يشبه نجمًا يضيء عتمة المساء/ السماء. وأصخت الطرقات بحجارتها وترابها، والريح بجريانها، والنخيل بشموخها للكلمات التي سالت من شفتيه عطرًا يطيّب النفوس الطاهرة.

والوفود التي عجّت بصنوف اللغات، بمختلف ألوانها وأشكالها، تناصّت حوله. وقفت مذهولة، وعلى وجوهها تجلّى الخوف والوجل. وهي تنظره واقفًا يرتل مصرعه. وتسللت بعض الأقدام المندّسة تستقصى الخبر.

اندفع الحسين نحو الكعبة ملبيًا بتلبيات ملؤها شجى/ بكاء. تطوف الروح حول البيت، فتستمع لدمعه المهول.

كنتُ مشدودًا لأبراد الكعبة الغرّاء وهي تبكي، أنظر إلى خيوط غزلها، وهي مستندة كتفٌ إلى كتفٍ تندب حسينًا. طوبى لمغزلٍ سواكِ. خيوط الندبِ تغزل حزننا السرمدي.

كلمة المولى (خُط الموت على ابن آدم مخط القلادة على جيد الفتاة) استقرّت في قلبي، في البدء تمنيت أن أحظى بغزل كفنه. تسحبني الذاكرة لحديث النبي صلَّى الله عليه وآله لفاطمة، حيث جسد بلا رأس، وجثة بلا كفن، والعاديات ترض الضلوع.

لو كفن هذا الغصن لرسول الله
لنسجت الكفن
لو تُركت في المدينة
لما كنت هنا
وما أدركت ما جرى!

ولما أذنت السماء، حلّ الحسين من إحرامه، ملبيًا دعوة الرب.

وإذ ترتفع صرخة الحسين (في أمان الله) يتبدى للقوم ما كانوا ينتظرونه، ها هو الحسين الطريد يهاجر إلى مصرعه، والدرب يفتح ذراعيه.