الطعم المُرّ في حلقي، والأنفاس القصيرة التي بالكاد تدخل جوفي، والظلام!
الظلام الذي أراه حيثما أدرت وجهي، وأسمعه كلما أرخيت السمع، وأعد الأيام الطويلة التي تمر بي وأجدها يومًا واحدًا طويلًا لا نهاية له!
ترقبًا ليومك وسماع صوتك المليء بالأسى،
أسفي عليك يا شمس..
كيف تكوي الشمس وجنتك؟! كيف يحرق التراب جسدك!
جسدك!
جسدك المُدمّى، ذي الجراح المتصلة جرحًا فجرح حتى القلب!
قلبك الطاهر، قلبُ الكون والخليقة، آه..وهل تكفي الآه يا من لولاه ما تأوهنا ولا سالت دموعنا ولا دموع الأنبياء..
هبني صبرًا لأرى هلال شهرك، الذي يُنبئ بيومك الأكبر، يوم تقديم القربان على المذبح العظيم..
هبني صبرًا لأسمع صوت استغاثتك، ففؤادي الآدمي لا يقدر على رؤيتك وحيدًا تقف في الصحراء والكون كله يزأرُ في وجهك..وأنت تنادي ألا من معين..
وأنا اليوم هنا أنادي “ألا من معين” يعينني على مصابك، على عطشك، على سقوطك من جوادك، على قيامك وسقوطك، ألا من معين يعينني على رؤيتك وأنت تسمعها تناديك على التل!
ويلي ثم ويلي،
أراك يوم عرفة حين هرعت إلى ربك تناجيه وتعترف بتقصيرك في شكره يا مولاي..وتقول أن لو حرصت والعادون على تعداد نعم الله ما استطعت..
وأراك اليوم تشكر الله على نعمه السالفة عليك بطريقتك التي لم أرَ مثلها!
فقمت تشكر ربك كما قلت في الدعاء من غير تقصير فأذنت للسهام الحارقة بالوصول إلى أذنك، وذوت شفتاك من العطش ومن الجفاف حتى أُدميتا وتشققتا، ثم يا سيدي كنت تقول “وحركات لفظ لساني” فأتيت تشكر ربك بلسانك الذي صار كالخشبة فقمت تلوكه من شدة الظمأ!
وما بلغت الشكر فقدّمت للرب مغرز حنك فمك للسهام وأنت مُثقل القلب والجسد، ومنابت أضراسك التي كسّرها اللئيم فأديت شكرها بعد موتك!
لكن ماذا عن حمالة أم رأسك؟ وحبائل عنقك؟ وحبل وتينك؟ ونياط قلبك؟ وحواشي كبدك وأضلاعك وأناملك؟
ويلي عليك..
أنا يا سيدي يؤلمني قلبك، فيا لقلبك الكبير الذي لم يحمل السهام وحسب، لقد حمل فقد الرجال، فقد القمر وفقد قطعة قلبك الأكبر، حمل هم العقيلة الكبرى، هم اليتامى، هم أداء الرسالة، هم رضى الرب، وهم إكمال المشروع الإلهي!
يا مبدأ حزني ونهايته، هبني توفيقًا للجزع عليك، للصراخ والندبة..لأحمد الله حمد الشاكرين على مصابك.