نص٢/ مَشعر الحُزن

حدثتني مقنعة فاطمة عن قلادتها عن قميصها عن مغزلها أنه قال:

لا يمكن أن تبقى شخصية المسجون كما كانت، صدر السجين المظلوم لا يخلو من ذلك الصدام العميق بالمخاطر والشكوك مع من حوله.

يعيش مسجونًا في مساحة مملوءة بعبارات السبّ والشتم، لا يختار الجليس ولا المأكل ولا حتى الوجوه.

في هذا المناخ السوداوي وجدتني محاصرًا بأصابع الرذيلة التي تطوق كؤوس الخمر. والراقصات الغواني الفاجرات من حولي، بعد أن كانت تطبق عليَّ أصابع التهليل والتكبير بتحنان. وأجواء القداسة غادرتها ولم تغادرني. عشتُ معزولاً، أصلي خلسة، منزويًا بعيدًا عن العيون الممتلئة بالرعب.

لك أن تتصور أن تعيش مع الوحوش الضارية، في كل لحظة تتوجس الموت، ترى القبح بكل صوره، القبح الذي قد يتمثل في المعركة، الموت، السحق، أن تُبعد قسرًا عن ذلك الجمال بعد أن كنت محاطًا بأبهى صوره، الصلاة، الإيمان.

ياه أنا محاصر الآن، أظن أن هذه المرحلة هي الأصعب في تاريخ حياتي، بل في تاريخ العالم على مرّ الأزمنة والعصور. هذا يوم مختلف بكل ما فيه، رأيتُ العَصر، سمعتُ الصرخة، ذقت مرارة اليتم في عيون الحسنين وزينب، ولكن اليوم هذا مختلف بكل المقاييس، الرؤوس المشالات، الأعضاء المقطّعات، الهامات المفضوخة، العيون المسمولة، الخنصر المبتور، الصدر المرضوض.

الصور الدخانية لتلك الظهيرة أفقدتني بصري، كنا نسبح في فضاء من دم، فضاء أحمر تمامًا، لا شيء فيه يدل على الأمان أو السلام.

تطوفني الذكرى، وسؤال الدرّة ((يا أبت! متى يكون ذلك؟)

رأيت كلمات المصطفى ولمستها بجسدي (في زمان خالٍ منّي ومنك ومن عليّ).

وغزلتُ الجزع لأول مرّة بعد أن اعتدت على غزل الصبر.

أنا مثقلٌ بالرزية، مثقل بالغربة، بالخوف، بالحنين لأوليائي، لم أعتد على هذه الحياة أبدًا. ليتهم سلبوا حياتي، أنا لا أصارع من أجل البقاء الآن، هؤلاء الأرجاس ممتلئون بالنقائض، حينما يحتفون بالنصر وتطوف صواني الحلوى على رؤوسهم وينفخون بالأبواق ويضربون بأيديهم الدفوف ثمَّ يقولون أنهم مسلمون. يأكلني الحزن، مسلمون وقتلوا التكبير والتهليل؟ تبًا لهم ولدينهم هؤلاء الجهلة السفاكون.

كنت أتمشى في مدن السلام، في شوراعها وطرقها، أزقتها ومدنها، لم يكن يحجزني شيء.

أما اليوم، فأنا أمشي في صحراء سوداء كل شيء فيها قاتم متشابه، كل شيء فيها دموي، أسير وسط الخراب والدمار. الأسواط والأكوار والجمال الضالِعة.

حتى جاءت كلمات الإمام تسعى تطلبني لتعيدني أنا وعشيرتي.