استيقظت من النوم بعد ليلةٍ شاقّة مرهقة..

كان كابوساً مروعاً، استيقظت منزعجاً أطلب اللجوء إلى الواقع كعادتي في آخر أربعة أيام، فتحت عيني بصعوبة بالغة، أول نظرة رأيت فيها الأشياء في غرفتي ضخمة للغاية وبعيدة، أغمضت عيني، فتحتها ثانية لأتخلص من بقايا النوم البيضاء والصفراء العالقة بين جفنيّ، كررت الفعل ذاته مراتٍ عديدة، لكن لم يتغير شيء، المكتبة ما زالت تبدو عملاقة والسرير بدا لي كصحراء قاحلة ممتدة إلى اللانهاية خصوصاً مع لون الغطاء الشبيه بلون الرمال.

كان الأمر غريباً لكني لم أستسلم لهذا الجنون، فالإنسان دائما يبحث عن مئة سبب وسبب لتكذيب شيء غريب كهذا، يغالب واقعه المخيف بالتكذيب حتى يُغلب. وقفت على قدميّ ولسوء حظي كانت المرآة أمامي مباشرة، وإذا بانعكاسي يتحول إلى حجر هوى على مؤخرة رأسي فسقطت مغمىً عليّ.

استيقظ محمد ووجد نفسه في جسد طائر، تذكرت مقدمة كافكا وروايته التحول التي بدأها بالجملة ذاتها ولكن هنا محمد مكان غريغور وجسد طائرٍ بدل الحشرة. هل يمكن لرواية خيالية أن تتحول إلى حقيقة؟ المصيبة أن غريغور لم يحظَ حتى بتعاطف أقرب الناس له، أمه، بل واشمأزت منه أيضا، تعاطفت معه أخته في البداية ثم ما لبثت أن انقلبت عليه هي الأخرى، فما مصيري يا ترى؟ مجرد التفكير في أني قد أتشارك معه المصير ذاته أصابني بالدوار مرة أخرى. بدأت أستكشف جسدي الجديد ريشي، ولوني الغريب المبقع، عيني، جناحي، مهلاً.. هل سأتمكن من الطيران؟ ماذا لو فشلت؟ هل يكون مآل كل أحلامي إلى الموت بعد فشل محاولة الطيران؟ وأين؟ في غرفتي مصنع أحلامي وطموحاتي الذي قد يتحول إلى مقبرة الأحلام والطموح في أي لحظة.

أي مصيبة حلت بي، أمي، لابد أنها ستتفقدني كعادتها ما إن تستشعر تأخري في النوم، كيف أخبرها؟ كيف أشرح لها الأمر؟، ربما أنا أفضل من غريغور الذي تحول إلى حشرة، فأنا لست بشعاً رغم لوني المبقع، ولي صوت جميل وأستطيع الطيران، بل والأفضل من ذلك كله أن لي عائلة تحب الطيور وتحتفظ بها. كنت كمن خسر جسده بلغم انفجر به ولكنه يعزي نفسه بأنه مازال على قيد الحياة بعد أن فقد كل شيء إلا مسمى الحياة، قررت أن أهرب من المنزل، غريغور كان شجاعاً وبقي في المنزل وواجه أهله وتقبل ردود أفعالهم، أما أنا فلعل بعض صفات محمد الإنسان انتقلت معي إلى جسد الطائر، محمد الذي يخشى المواجهة إنساناً خشيها كطائر أيضاً فقرر الهرب.

قررت المخاطرة وتدربت على الطيران، ارتطم رأسي بالأرض كثيراً وكدت أفقد حياتي في مراتٍ أكثر حتى تطورت وأصبحت قادراً على التحكم بجناحيّ، شعرتُ بالجوع ولحسن الحظ أن الإنسان الذي كنته دائماً ما يترك بقايا الطعام في الغرفة، كانت أمي توبخني على هذه العادة، لكن يا ترى لو كانت تعلم بأن بقايا الطعام هذه ستكون في يوم من الأيام غذائي وربما سبباً في بقائي حيّاً هل كانت ستوبخني؟

هربت، لم تكن مهمتي صعبة فقد كانت النافذة مشرّعة في غرفتي رغم حرارة الجو إلا أن عادة ترك النافذة مفتوحة أثناء النوم لازمتني منذ الطفولة، فأنا أكره الأماكن المغلقة، حلّقت فوق سماء مدينتي للمرة الأخيرة، في منتصف رحلة الوداع فكرت في حاجاتي الأساسية الأخرى -غير الطعام- كأن أقضي حاجتي مثلاً، وتذكرت درس الأحياء في المرحلة الثانوية فقد تعلمّت بأن جسدي الآن أصبح بدون مثانة، ربما لأتمكن من الطيران بأخف حمولة ممكنة، قررت أن أذهب إلى الأحياء الغنية بحثاً عن سيارة فارهة ونظيفة لأفرغ حمولتي على زجاجها، لا أعلم لماذا ربما احتجاجا على ثرائهم الفاحش والذي لا يتناسب وفقر الكثير من أحياء المدينة الأخرى. كم تمنيت لو رأيت أحداً منهم لأفرغ حمولتي على رأسه بدلاً من زجاج سيارته، ولكن مَن منهم يمكن أن يستيقظ أو يخرج في هذا الجو الحار في منتصف الظهيرة! فهم يخشون على أجاسدهم الناعمة من الشمس الحارقة، حرارة الشمس ذاتها التي يعتقدون أنها لا تستحق أن يعفى بسببها مَن يعمل تحت خدمتهم من ممارسة عمله تحت لهيبها، فرغت حمولتي على الزجاج الأمامي لسيارة لكزس من نوع LC 500 حمراء في حي ثري بالقرب من الجامعة، كان هذا آخر أثر لي أتركه في المدينة.

غادرت المدينة ثم البلاد، اتجهت إلى بلدان طالما حلمت بزيارتها، منعني عن زيارتها الاحتلال أو الدراسة أو المال أو العلاقات الدولية. قصدت محبوبتي طائراً كنت أو إنساناً، فلسطين، بددت وحشة الطريق بالتفكير، يجب أن أقاوم.. نعم أقاوم ولكن كيف؟! راحت الأفكار تتسابق إلى رأسي كأن كل فكرة ترغب في أن تسجل لها موقفاً مقاوماً تتركه وسام شرف للأجيال القادمة من الأفكار التي ستتناسل من رحمها: سأقف على نافذة طفلة صغيرة تعشق الرسم لعلها ترسمني بالطبشور وأنا أبكي على أطفال فلسطين، تشارك والدتها -الشاعرة-الرسمة، لا يطول المخاض فتولد الفكرة عند الأم، أنشودة تذاع لأطفال العالم تحكي معاناة أطفال فلسطين مستوحاة من رسمة الطفلة ومن حوارها المتخيل معي:

رسمتُ بالطبشور طائراً مسرورا طار نحو الشمسِ وعاد لي بالأمسِ بعينه دموع يئن في خشوع
سألته ما بالك يا طائري ؟ موجوع أجابني بزقزقة حزينة منمقة بأنه هنالك أطفالٌ يُقتلون أطفالٌ يُقتلون.

سأُحلق فوق رأس شاعر فلسطيني لعله يخلّدني في قصيدة فأسكن مع القدس في بيت واحد، سأبدد وحشة أمٍ فقدت صغيرها برصاص الصهاينة، سأظهر أمامها كلما بدأت دمعتها في التكون وقبل أن تسقط، علها تتأملني فتتخيل طفلها كيف يحلق بجناحيه في الجنة فأخفف ألمها. آلمتني هذه الأفكار بقدر ما أسعدتني، فقد تبين لي أنّ محمداً الطائر أقدر على خدمة القضية من محمد الإنسان، ومن فلسطين سأقضي وقتي متنقلاً بين المدن والدول التي حلمت بها طيلة حياتي، سأبحث عن الخلود كطائر إذ فشلت فيه كإنسان – على الأقل حتى اللحظة التي تحولت فيها إلى طائر-.

المهم أني أعدكم بأني لن أنسى أن أفرغ حمولتي على زجاج السيارات الفارهة في كل حي غني أمر عليه في كل بلد أزورها، خصوصاً إذا كان هذا الحي الغني يتقاسم المدينة ذاتها مع حي آخر يضطر فيه الأطفال للتخلي عن طفولتهم وتحمل مشاق العمل لتوفير لقمة العيش. سأحتجّ لكن بطريقتي فلم أدرس في مادة الأحياء عن قانون يعاقب الطائر على إفراغ حمولته على سيارات الأغنياء دون الفقراء.

ثم استيقظت …

النهاية