ياه..!

“لقد نسيت العلبة أخيرا ”

صوت العجلات التي تسحق الإسفلت أجفلها ، نظرت إلى هاتفها ، الساعة في تمام الثامنة ، و تبقت على رحلتها ثلاث ساعات حيث تقلع الطائرة في الحادية عشرة و الربع ، ولكنها – ورغم أنها اتخذت قرارا بتغيير ذاتها – تدرك أنها لن تقول للسائق أن يعود بها إلى البيت حتى تأخذ العلبة معها ، لا تدري لم تحبسها مثل هذه المواقف في ربقة السكوت ، الأسبوع الماضي وعندما ذهبت لصالون الحلاقة كي تقص أطرافا من شعرها ، أحست أن القائمة بالأعمال توشك أن تأخذ عبر المقص أكثر من نصف طول شعرها ، و هي لم تحب وجهها بالشعر القصير أبدا ، و رغم أنها تستطيع أن تعبر عن رغبتها بكل الطرق المهذبة و غير المهذبة ، و رغم أنها توقن أن سياسة المكان تعطيها كزبونة كل الحق في اتخاذ قراراتها وتشكيل شعرها كما ترغب ، لكنها لا تعرف أبدا لمَ ابتلعت كل الكلمات تماما و سكتت وهي ترى شعرها يتساقط كأجنحة حمامة حزينة .

” يطول و يتعوض ”

قالت لنفسها المكلومة ، للعاملة المبتسمة التي صفرت بمبالغة معهودة و رمت :

” واو !”

سمجة ، ترميها في حضن كل زبونة .

لصورتها في المرايا التي أوحشتها ، بعد ذلك عزمت على قصع شعرها ، حتى لا تدرك قصره، و انتظرت أشهرا قليلة ليعود قريبا مما كان .

الشعر يتعوض ، يطول ، قد يعود أجمل مما كان ، ولكن هل تتعوض هذه العلبة ؟

بالأمس وهي تحزم حاجياتها و ترتب غرفة التوأمين و تتأكد من لياقة ثياب البقية ، و تقوم بتجليد كتبهم و تسطير دفاترهم و تحديد وجباتهم ، وضعت العلبة فوق طاولة الطعام ، المكان الأبرز في غرفة المعيشة و الذي قد تقصده أكثر من مرة في اليوم لغرض أو لآخر ، لكنها رغم ذلك نستها .

السؤال يترجرج في أعماقها ، تهدهده حركة السيارة ..

ما أهمية تلك العلبة مقابل ما تحمله من حاجيات ؟و العلبة أساسا مهترئة الجوانب و الحواف ، لكن الرغبة تراوح في حضورها ، و تدفع الكلمة للسانها لتأمر السائق بالرجوع ..لكنها هي التي تتراجع .

بعد جلستها مع مدربة التنمية الذاتية قالت لنفسها و أكدت أنها لن تتراجع أبدا فيما تريد الإقدام عليه ، لكنها لا تدري كيف تقيدها أصفاد لا مرئية ، مثلا ، هي لا تقدر أن تحرر مشاعرها ، أن تبوح بكل ما تريد و ما تفكر به و ما يقلقها ، أن تشارك ابنيتها اليافعتين يومهما المكتظ بالضحك و المزاح و الأحاديث المكتومة المتسربة من شفتين منبسطتين ، أو تفتح أبواب الغرف المغلقة دون أن تسيل من الأعين نظرة التبرم و الـلا ترحيب ، أو أن يحادثها أحد -أي أحد – في منزلها حديثا يزيد عن : أعدي هذا الطبق أو أيقظيني في الساعة الـ …!

مرة تحدثت بصوت مسموع و على مائدة الطعام عن إحساسها بالإقصاء ، و معاينتها لحواجز شاهقة تفصلها عن الجميع ، و انتظرت مواساة مريحة أو ضحكة تؤكد أنها موهومة ، أو حتى غضبة تنهرها على هذه الأفكار الغبية ، لكن زوجها حذرها و اللقمة في فمه أن هذا ليس وقتا مناسبا للكلام ، بينما قال ولدها :

” أووو .. بدأنا ! ”

و انسحبت ابتسامات الفتاتين ليطغى صوت الملاعق .

كانت تود أن تصرخ / تُصرّح ، أن تقوم من المائدة ، لكنها ابتلعت الطعام و الكلام و اختلطت المذاقات .

بالأمس عندما حضرت أخواتها ليسلمن عليها و هن مستغربات من قرار السفر المباغت / العجيب / الغريب عنها ، أخبرتهن و الغيرة تلطخ برص قلبها أن الوقت مناسب جدا ، فما من أحد يحتاجها أو يفتقدها ، تخيلت أن تسمع من ابنتها :

“إنت الخير و البركة ”

لكنها لم تسمع شيئا ، فابتسمت ثم قالت :

” و الرحلة لن تزيد عن أسبوع ”

أثقلنها بالقبل و السلامات و بعض الهدايا لوجهتها المقصودة .
هي لا تحسدهن بالتأكيد ، رغم توافدهن مع بناتهن و تعاطيهن الدافئ – معا- الذي يلسع برود أوقاتها ، لكن حين رأتهن بالأمس صفعتها لعنة المقارنات .
تغبطهن فعلا ..
لكن هل تعود من أجل العلبة ؟ أم تتركها هناك منتصبة شاهدة على لحظات غيابها ، علبتها الصغيرة ، التي غادرها اللون الزاهي و العطر الجميل ، لكنها – كما تراها – احتفظت في جوفها بالأهم .

لقد أخلصت لها هذه العلبة منذ أول لقاء ، حجمها الحميم و تقاسيمها الأليفة ، هيأتها أن تحتفظ بالأشياء و المكانة ، صارت تفتحها كلما أحست بانكسار ما وما أكثر ما أصبحت تحس به في وقتها الراهن ، تفتحها فتتفتح ورود الذكرى و تمدها بصلابة و سكون ، أشياء صغيرة ، صورهم في طفولة تشتاقها ، طبعات بصماتهم أرجلهم في حديث ولادتهم ، خرقة خضراء محملة بعطر لا نهائي ، خاتم من الدر كان في خنصر أبيها ، مسبحة أمها الترابية ،عوالم تختصرها في علبة صديقة .

هل تعود لها ، أم تتركها هناك حيث لن يفتحها أحد ؟ و ربما تُتلف أو يضيعها التجاهل !

لا زالت في منتصف الطريق ، و الشوارع تكاد تكون خالية ، تستطيع أن تطلب من السائق العودة ، ربما تصادف أحدهم صاحيا، قد تحتضنه ، قد تنخر حواجزا عتية ، بالأمس سعت إليهم ، غرفة غرفة ، قالت لهم أنها تود أن تراهم قبل رحلتها لعلها تخرج مبكرا في الصباح وهم لن يستيقظوا مبكرا في يوم عطلتهم ، ليس من أجلها بالطبع ، لذا ، سلموا عليها بتهذيب شديد ، بتهذيب أكثر من اللازم ، تمنت لو يقول لها أحد منهم لا تفعلي ، أو لا تتأخري ، أو حتى سأشتاق لك ، لكنها لم تحصل إلا على ابتسامة متكلفة ، هل تعود الآن و تدلق ما اكتنزته بالأمس؟ ما اكتنزته عمرا طويلا !

سكنت السيارة ، جر السائق حقيبتها ، هبطت منها توزع النظرة بين ساعتها و بوابة المطار ، تذكرت حلما قديما ، كانت فيه تشكل دمى من الطين ، و يأتي مطر قوي يُذويها و يحيلها إلى عدم ، كانت تبحث عن منبت الغيم ، و إذا بها عيناها في وجه السماء .
توقفت السيارة ، نبهّها السائق ، برق في خاطرها أنها نسيت أن تنظف أحذيتهم من الطين الملتصق بها .