عبر تجربة لافتة استطاع الكاتب حسين المطوع أن يجتذب القارئ لنتاجه ، حسين المطوع الذي عرفه القارئ ناشطا و ناقدا أشاد بتجربته الكثير من النقاد ، ثم عرفه روائيا يخوض عوالم الرواية ، ثم عاود قراءته في نتاجين للطفل هما : أحلم أن أكون خلاط اسمنت و عميقا نحو قلبي ، كان لمدونون معه هذا الحوار :

1/ كيف يقدم حسين المطوع نفسه للقارئ ؟ ليته يصطحبنا في رحلة عبر سيرته الذاتية.

أنا إنسان أبحث عن شغفي في الحياة وأحاول أن أجد ذاتي من خلال ممارسة هذا الشغف، وأعتقد أن هذا الوصف ينطبق على سلوكي منذ طفولتي رغم غياب الوعي والإرادة بشكليهما الحاليين. تنقلت في العديد من المجالات ومارست الكثير من الأنشطة، برعت في بعضها وفشلت في بعضها الآخر. قفزت من هواية إلى هواية، غيرت تخصصاتي الدراسية، استقلت من أربع وظائف في ثلاث سنوات، وأعلم أن هذا سلوك مزعج لمن حولي، لكنني لا أستطيع البقاء في مكان لا أجد نفسي فيه.
طوال هذه الرحلة الوعرة الصاخبة، كان هناك شيء يبنى بهدوء وهو علاقتي باللغة العربية والأدب بشكل عام. منذ الصف الأول الابتدائي بدأت أتميز برصانة القراءة وفصاحة اللسان، فصرت أشارك بالإذاعة المدرسية متقدمًا على من يفوقونني سنًا، وارتقي المنابر في المساجد والحسينيات لقراءة بعض الأدعية القصيرة. تطورت في هذه المرحلة علاقتي بالقراءة وبدأت الاطلاع على ما يعرف بروائع الأدب العالمي، وسلسلة المغامرين الخمسة، ومجلات ماجد وأحمد وسعد وميكي والعربي الصغير وكل ما كانت تطوله يدي. في مراهقتي تركزت قراءاتي أكثر في المسائل الدينية كعلوم الفقه والسيرة والعقيدة، وكان للمنبر دور كبير في توطيد علاقتي بالأدب. وهكذا كانت علاقتي بالأدب هي الثابت في ظل كل المتغيرات التي عايشتها، إلى أن انتبهت إلى هذه الفكرة سنة ٢٠٠٩ في سنتي الثالثة في الجامعة، حينها قررت تغيير تخصصي من المحاسبة إلى الآداب، وكانت هذه لحظة مفصلية في حياتي. يبدو لي أنني بلغت الاستقرار حاليًا وقد وجدت شغفي الفعلي. هل هذا يعني أنني لن أجد نفسي بعد سنتين أترك الأدب لممارسة النحت أو الطبخ أو غيرها؟ لا أستطيع أن أضمن ذلك..

2/نلت شهادة في النقد ، و لك رؤى نقدية خاصة ، هل تعتقد أن حركة النقد في العالم العربي عموما و في الكويت خصوصا حركة معافاة و حيوية ؟

النقد علم أكبر بكثير من كتابة مقالات تقييمية ومراجعات للنصوص – مع عدم نكران أهمية هذه الممارسة -. ولا يمكننا الحديث عن حالة نقدية حقيقية دون أن نستطيع ربطها بالأساس الفكري الذي بنيت عليه والذي ينبغي أن يكون متشابكًا مع سياقاته الزمانية والمكانية، وهذا ما لا أراه متوفرًا على مستوى النظرية النقدية في الأدب العربي بشكل عام. وهذه الإشكالية متجسدة بالرواية بصورة أوضح وأشد تعقيدًا من الشعر، وذلك لأن الرواية ذاتها كجنس أدبي جاء مستوردًا من الغرب وجلب معه نظرياته النقدية ودراساته الخاصة.
أما على مستوى الممارسة التطبيقية فهنا لا يصح حسب ظني أن نتحدث عن العالم العربي كوحدة واحدة، إذ تختلف التجربة بين الدول والأقاليم باختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والامتداد التاريخي وغيرها. بلاد المغرب حالة مختلفة كثيرة عن مصر، ومصر مختلفة عن الخليج، والخليج رغم تقاربه إلا أن هنالك اختلاف ملموس بين دوله فلا يمكن تشبيه التجربة القطرية بالتجربة الكويتية أو البحرينية.. إلخ.
قد أستطيع التحدث عن التجربة الكويتية، وأدعي أن ما لدينا هو أبعد ما يمكن أن يوصف بالحالة النقدية الصحية. إن أفضل نتاجنا في السنوات الأخيرة لا يتجاوز جهود فردية عبارة عن مقالات وأطروحات دراسات عليا وبعض الكتب المتفرقة التي يبنى عليها الغبار في الرفوف. حتى إجابتي هذه يصدق عليها نفس الانتقاد وتعاني من نفس المشاكل، فلكي نجيب عن سؤال بسيط مثل: هل الحركة النقدية في الكويت معافاة؟ نحتاج إلى ناقد – أو مجموعة نقاد في الأحرى – متخصص ومتفرغ يمتلك الوقت والقدرة الكافيين ليرصد كل المنتج النقدي في الكويت في فترة زمنية معينة ويقوم بدراسته وتحليله واستخلاص النتائج منه. وهذا ما لا يمكن تحقيقه دون وجود مراكز دراسات أو مؤسسات تدعم مثل هذه البحوث. إن المهتمين في النقد لدينا إما موظفون يضيع ثلث عمرهم في طلب المعيشة، أو أساتذة جامعيون مشغولون في تدريس المواد وتصحيح الاختبارات ومتابعة اللجان وباقي المهام الجامعية.

3/ هل هنالك مسطرة نقدية ثابتة للعمل الأدبي ؟ هل تعتقد بوجود الثوابت ؟ قرأت مرة قولا مفاده أن على الكاتب ألا يقول للقارئ أنه يكتب عن شخص حزين ، بل عليه أن يرسم صورة حزنه عبر النص ؟ سؤالي هذا الثابت في العمل الأدبي ألا يمكن تغييره لو اشتغل الناص على فكرته ؟

يبدو أن ثنائية الثابت والمتغير هي جوهر الجدل الذي يتأسس عليه الصراع الديناميكي بين النقد والأدب. فبينما يسعى النقد لترسيخ منظومة ثابتة من القيم عامةً بما فيها القيم الجمالية، يأتي الأدب لتكسير هذا الثابت وتجاوزه منطلقًا من حالة “الإبداع” مدفوعة بالرغبة في خلق الجديد وهو ما يحتم بالضرورة خرق ما هو قائم وسائد، أي الثابت.
تنشأ اللغة – من المنظور الثقافي – على ما يعرف سيميائيًا بعملية “التسنين” وهي العملية التي من خلالها تتأسس الأنظمة التواصلية بين البشر؛ كأن نتفق على أن لفظ “شجرة” هو ما يطلق على هذا الكائن الموجود في الطبيعة. هذا الاتفاق هو محاولة “تثبيت” علاقة دلالية يصبح “الفهم” معها أمرًا ممكنًا. فلولا وجود هذا “الثابت” – بحالته المعجمية البسيطة على الأقل – لأصبح التواصل عملية مستحيلة.
إحدى وظائف النقد هي محاولة استكشاف آليات الاشتغال الجمالية في النصوص القائمة أصلًا، مثلما صنع الفراهيدي في العروض والقافية والجرجاني في نظرية النظم البلاغية وغيرهم. ومن ثم تعميم هذه الآليات واعتمادها كمعايير وقواعد ومن ثم تتحول إلى “سنن” تصبح من خلاله عملية “التلقي الجمالي” أمرًا ممكنًا.
أما الصراع الديناميكي الذي تطرقت له في بداية إجابتي فينشأ حين يأتي الأديب مرة أخرى لتكسير هذه الثوابت القائمة وخلق علاقات جديدة داخل الأنظمة اللغوية والجمالية السائدة. وهنا ينبغي على الناقد أن يعي بأن ثوابته ما عادت ثوابت وعليه أن يبدأ من جديد بتتبع مواطن الجمال بالنص ومحاولة اكتشاف آليات اشتغاله وهكذا دواليك. فـ ” لا تخبرني أن هذا الشخص حزين، بل صور لي حزنه”، من الممكن أن نصفها بأنها قاعدة جمالية ثابتة إلى الآن وحتى يأتي أديب ما ليزعزعها.

4/ كتب حسين المطوع الشعر ، و المقال النقدي ، و فاز بجائزة للقصة القصيرة في الجامعة ، ثم قدم رواية ، و انعطف لأدب الطفل ، ما سبب تنوع التجربة ؟ و هل يصلح أن يُسأل الكاتب أي الأجناس الأدبية أقرب إليه ؟

لا أستطيع أن أدعي أن هذا التنويع جاء من قصدية وإرادة تامتين. في البداية كنت مرتبطًا كليًا في المؤسسة الدينية، فكتبت منها ولها، ولم يكن غير الشعر جنس أدبي معتبر في تلك الأثناء خصوصًا لارتباطه بالمنبر والمنصة. في المرحلة الجامعية بدأت أكتب الشعر الذاتي ولا أنشره. سنة ٢٠١٥ حين تم الإعلان عن مسابقة شاعر الجامعة وقاصها، قررت أن أجرب كتابة القصة القصيرة خصوصًا أنني درست أدواتها وأساليبها وقرأت كمًا لا بأس به من أعمال رواد هذا المجال العرب والأجانب، فكانت قصتي الفائزة هي تجربتي الأولى في السرد مما شجعني على كتابة المزيد وتكرار التجربة. هنا واجهت معضلة إذ كنت أؤمن أن على الكاتب أن يختار جنسًا واحدًا يركز عليه ولا ينبغي أن يشتت نفسه في أكثر من اتجاه، كنت أحب الشعر، وكان أصدقائي يقولون قد تتميز أكثر في السرد وبعضهم قال لا بأس أن تجمع بين الإثنين. بعدها بأشهر قليلة صدف إقامة ورشة الرواية التجريبية للروائي العراقي سنان أنطون وقد كانت دفعة معنوية كبيرة لي كي أتجرأ وآخذ خطوة أكبر في السرد وأجرب خوض تجربة الرواية، وقد كانت من أصعب التجارب وأكثرها جهدًا ومشقة. بعد ذلك عملت في قسم الأطفال بمكتبة تكوين، وصرت أقرأ يوميًا في أدب الطفل العربي والمترجم، شدني المجال فقرأت في نظريات أدب الطفل وكتب علم نفس الطفل لمجرد الفهم والمعرفة لا أكثر، وذات ليلة في الفراش ودون نية أو قصد وجدت نفسي أكتب قصة للطفل، كتبتها وتركتها ولم تكن لي أية رغبة في النشر، وصدف كذلك أن زارت الكويت الأستاذة نبيهة محيدلي وقدمت ورشة في كتابة قصة الطفل فعرضت عليها قصتي لمجرد الرأي والملاحظة فأعجبتها واتخذنا قرار النشر. أما المقال النقدي فهو تخصصي الأكاديمي، أكتبه لي شخصيًا في المقام الأول.. حتى أفهم أكثر.
أعتقد من خلال استعراض تجربتي أن بإمكاني أن أشبه الأدب بالبيت، يدخله الكاتب من باب اللغة. أما الأجناس الأدبية فهي غرف متعددة داخل هذا البيت، ما إن تمتلك أدواتها وتتقنها حتى تستطيع ولوجها، تتشابه في أمور وتختلف في أخرى. يتقن بعض الكتاب أكثر من جنس ويقرر بعضهم التركيز على جنس دون آخر، ولكلٍ مميزاته وعيوبه. أما بخصوص سؤال الكاتب عن الجنس الأدبي الأقرب له، فهو سؤال ممكن بالطبع رغم صعوبته أحيانًا، أنا شخصيًا أتأرجح بين القصة القصيرة والشعر.

5/قدّمت رواية تراب صورة مختلفة و غير متوقعة عن الموت ، شيّئته و قلّبته و ضمّنته كعامل ازدهار ، كيف و متى نبضت فكرة الرواية في ذهن الكاتب حسين المطوع و هل قرر لها هذه الصورة ؟

في إحدى ورش الكتابة طلب مقدم الورشة الروائي سنان أنطون من كل مشارك أن يأتي بفكرة رواية لتتم مناقشتها في اليوم التالي، هنا ألحت على ذاكرتي قصيدة “حفار القبور” للشاعر بدر شاكر السياب وفكرتها التي طالما أرقتني عن إشكالية الحياة والموت وكيف يغذي أحدهما الآخر. أغرتني هذه الفكرة وقررت أن أدفع بالموت إلى أقصى حالاته تطرفًا وتوظيفه كموضوع تبنى حوله أحداث الرواية وتتكشف معه جوانب من النفس الإنسانية. بعد الورشة قررت كتابة الرواية، بنيت عوالمها واخترت الأزمنة والأمكنة والأحداث وشرعت في الكتابة.
بعد انتهائي من المسودة الأولى تركتها لعدة شهور ثم عدت لأقرأها بعين القارئ لا الكاتب، وفي هذه المرحلة ذهلت من كمية الأفكار التي تسللت من “لاوعيي” إلى النص والتي كشفت لي بعض الجوانب التي ما كنت أرغب بكشفها. وقد كان الانطباع العام الذي خلفته الرواية في نفسي بعد قراءتها مختلفًا تمامًا عما كنت أتصوره لحظة الكتابة، ويبدو لي أن حالة وجدانية كانت طاغية لحظة كتابة النص وهي ما خلق ذلك الأثر النهائي. هل هذا أمر جيد أم سيء؟ لا أستطيع أن أحكم، لكن بشكل عام تكررت معي هذه الحالة في نصوصي التي تلت رواية تراب وقد صرت قادرًا على تمييزها وهو ما بت أسميه “وهم الموضوعية”. وهو الوهم الذي من خلاله يهيأ للكاتب أنه قادر على أن يأتي بفكرة ويتناولها أدبيًا بموضوعية تامة بعد أن يتجرد كليًا من ذاته. وهذه النتيجة لم أتوصل لها قياسًا على تجاربي الشخصية وحسب، بل أيضًا من خلال دراستي لطبيعة اللغة – بصفتها نظامًا رمزيًا – وعلاقتها في الإنسان وآليات اشتغالها في النص الأدبي.

6/ يقودني السؤال السابق لأسأل : هل يخطط حسين المطوع لشكل كتابته و تفاصيل عمله أم يترك العنان للكتابة لتقوده حيث شاءت و تفاجئه بالمستجدات ؟

في الرواية أميل للتخطيط والبناء، لا أستطيع أن أكتب دون أن يكون كل شيء واضحًا أمام عيني، وهذا لطبيعة الرواية نفسها وتعدد مستوياتها الداخلية وعناصرها. يجب أن تكون كل شخصية واضحة ومميزة في بنائها النفسي والثقافي والاجتماعي، الأمكنة وتأثيثها، الأزمنة وتوزيعها..إلخ. نحتاج أن نبني الهيكل العام على أقل تقدير ومن ثم نترك الشخصيات لتسرح في عالم النص وتنطلق لكشف الاحتمالات القائمة أمامها والمحكومة بـ “الإكراهات” التي قيدها بها الكاتب أثناء عملية البناء.
أما في الشعر فالعكس تمامًا، أكتب بما يشبه عملية التداعي. أفتح أبواب النفس/الجحيم وأسلم السلطة بأكملها للغة، تتدفق الصور ولا يشيء يسيطر عليها غير الألفاظ ويدي تتابع كل ذلك. هذا الأسلوب رغم متعته إلا أنه منهك نفسيًا وبشدة، وهو الأسلوب الذي قامت عليه المدرسة السوريالية نوعًا ما منطلقة من نظريات فرويد في “اللا شعور”.
القصة القصيرة عندي أقرب للشعر منها للرواية، أرمي الفكرة وألحقها، أتدخل أحيانًا، أحرف خط الحدث – وهذا ما لا أفعله في الشعر – لكن غالبًا أكتب القصة وأنا لا أعرف من أين انطلقت، وأنهيها وأن لا أدري كيف وصلت هنا.

7/ نالت قصة أحلم أن أكون خلاط اسمنت جائزة الشيخ زايد للكتاب ، و هي عمل يضيف لمكتبة الطفل و الناشئة ، هل توقعت لها هذا التأثير ؟

في مرحلة الكتابة الأولية لا ينبغي للكاتب أن يبني أية توقعات أو يضع في ذهنه أية اعتبارات من خارج النص، نحن نكتب من الفكرة ولأجل الفكرة.
لكن حين ننتهي من الكتابة هنا تبدأ عملية القرارات؛ نمزق النص؟ نعدل عليه وننتقل به للمرحلة الثانية؟ نتركه للزمن؟ في هذه المرحلة نستطيع أن نقول بأنه يحق لنا أن نبني الآمال والتوقعات. إن قرار النشر غالبًا ما يكون محفوفًا بهذه التوقعات؛ هل يستحق النص النشر؟ هل سأقدم جديدًا للمكتبة والقارئ؟ هل سأقدم إضافة للمعرفة البشرية؟
أما بالنسبة لي، هل كنت أتوقع ذلك لنصوصي؟ يبدو واضحًا من التفافي على الإجابة أنني أتحاشى تقديم إجابة صريحة عن هذا السؤال.

8/ يقال أن الكتابة للطفل عمل صعب ، يتوجب على الكاتب أن يعيش الفكرة و يعود إلى الطفل الساكن في ذاكرته المبكرة ، كيف تشعر إزاء تنوع الأعمال المقدمة للطفل و الناشئة ؟ هل تجد أنها استطاعت تغطية حاجاته و قلقه و مآزقه أو حتى اقترب من سقف الكفاية ؟ أم تجدها لم تخرج من النمطية إلا ما ندر ؟

مشكلة أدب الطفل هي في فهمنا – نحن الكبار – للطفل ذاته؛ من هو الطفل؟ كيف يفكر؟ كيف يدرك العالم؟ كيف يتلقى الأدب؟
هذه الأسئلة وغيرها لا تزال في معترك البحوث والدراسات، وقد بدأ العلم مؤخرًا بتقديم بعض الإجابات الحاسمة حسب اطلاعي شخصيًا. وهذا التأخر سيكون مضاعفًا بالنسبة لنا نحن العرب، إذ نجلس كعادتنا منتظرين الترجمة كي تنقل لنا آخر ما توصلت له النظريات الغربية ونستورده إلى معارفنا.
هذا القصور النظري كان سبب غياب النصوص الجيدة في أدب الطفل عن المكتبة العربية، إذ ظل الكاتب ينظر إلى الطفل بصفته هذا الكائن المتخلف عقليًا عن الكبار أو (الجاهل) كما يطلق عليه في اللهجة الدارجة، ونجد أثر هذه الفكرة واضحًا في النصوص التي غلب عليها الطابع الوعظي والتوجيهي. لكن في السنوات الأخيرة بدأت تتشكل ملامح حقبة جديدة في أدب الطفل العربي تعكس وعيًا عاليًا ومتقدمًا في فهم عوالم الطفولة ومفاهيمها وكيفية تطويع الأدب للخوض فيها ومحاورتها. لا زلنا في البدايات، لكن الحالة مبشرة بشكل عام وتشير إلى أن أدب الطفل والناشئة العربي قد يحقق حالة الاكتفاء المرجوة منه في السنوات القادمة.

9/ هل يفترض أن يكون الكاتب قارئا نهما ؟ماذا يقرأ حسين المطوع ؟ في أي المجالات و لمن ؟

لا أحبذ استخدام الاستعارات التي تصور القراءة بصفتها عملية محكومة بالكم ” قارئ نهم” أو “دودة كتب” أو غيرها. ولو تماشينا مع نفس المنطق الذي بنيت عليه هذه الاستعارات، وهو مقاربة القراءة بالأكل، سنجد أن الإكثار أمر مذموم بهذه الحالة. فللذهن – مثلما للمعدة – سعة استيعابية إذا تم تحميلها ما يفوق قدرتها فسيتحول هذا الفائض إلى سموم ضرره أكثر من نفعه.
أؤمن بالقراءة المنهجية، القراءة التي تبنى انطلاقًا من هدف معرفي تُحدد على أساسه الكتب والمعارف التي يسعى الشخص للتبحر فيها. وأرى أن هذا الفعل واجب ملزم لكل كاتب ومشتغل في الأدب، والتهاون في هذه المسألة بالتحديد هو ما خلق لنا هذه الحالة التي صارت تسود العديد من الأعمال الأدبية اليوم وأعني “السطحية”. نقرأ النص الأدبي فنجد اللغة الرصينة والأدوات المحكمة كلها توظف في الأخير للتعبير عن رؤية ساذجة للعالم لا تستطيع أن تتجاوز قشور الوجود الإنساني.
أما بالنسبة لي شخصيًا، أقرأ بشكل أساسي في علوم اللسانيات وفلسفة اللغة وهو التخصص الذي أسعى للتركيز عليه وتطوير نفسي فيه. وبشكل ثانوي أحاول تطعيم منهجي ببعض المعارف العامة وتحديدًا علمي النفس والاجتماع. مشكلة هذه القراءات أنها ثقيلة وتنهك الذهن وتفسد اللغة بسبب جمودها النظري، لذلك أحتاج أن أتخفف عنها بالأدب، فقبل كل قراءة لا بد أن أقرأ قصيدة أو قصيدتين من الشعر، كما أحاول أن أقرأ رواية على الأقل في كل شهر.

10 / ما جديد الكاتب حسين المطوع ؟

فرغت للتو من كتابة سيناريو مشترك مع أخي الشاعر محمد العتابي. أكتب باستمرار، أكتب الشعر والقصة القصيرة والمقالة للحفاظ على قلمي من الكسل لكنني لا أنشر، ولا أظنني سأنشر عملًا أدبيًا خلال سنة على الأقل. أظن كتابي القادم سيكون متعلقًا بالنقد، الفكرة مكتملة وناضجة في رأسي لكن لم أشرع بالكتابة بعد.