عند انتهائي من مشاهدة فيلم (محمد رسول الله) للمخرج مجيد مجيدي، تخيلت لو كنت مكانه كيف سأخرج هذا الفيلم، رأيت أنني سأغير في كل العناصر التي استخدمها،
السيناريو : سأجعله تتداخل فيه الأزمنة،
الألوان : ستكون مشبعة،
الكامرة :ستهتز في مشاهد كثيرة،
الموسيقات: ستكون إيحائية..
كانت خياراتي كلها تشير إلى رغبة بشرح الواقع بنحو أبعد من هذا الواقع المباشر الذي نقله مجيدي في فيلمه

 

أخذت بالتفكير لماذا مجيد مجيدي يعبر بهذا الشكل الإخراجي؟ و لماذا السينما الإيرانية جميلة إخراجياً؟ وكيف يمكن إخراج فيلم بهذه الطريقة ؟

فالمسألة أبعد من أن تتعلق بالنص والدراما الاجتماعية، هناك لمسة أو ” أسلوب” يحب الناس تسميته “بروح” فنية بقيت لفترة طويلة أشعر بها ولا أجيد تفسيرها..

ولماذا صار ذوقاً عاماً في الساحة الفنية , يعتمد على التعبير الجمالي الذي يستند إلي: المبالغة – الاستفزاز – الصدمة – الدهشة – الغرائبية – الغموض – التجريد – الخيال العلمي.. إلخ

فترى في الساحة التشكيلية من يوجه الشباب للرسم التجريدي و ينهرهم عن الرسومات الواقعية , لأن التجريدي هو الحديث الجديد بينما الواقعي هو القديم البالي , وكأن الجمال له تاريخ صلاحية !

وتجد في الساحة السينمائية من يحاول إنتاج أفلام رعب وخيال علمي , مع أنها تحتاج لامكانيات ليست متاحة دوماً

ثم تجد في الساحة الأدبية كتابات شعرية هي عبارة عن تعتيم , وصورة فجة , وتراكيب لغوية لا يستخدمها الإنسان الطبيعي،
قد يكون السبب هو أن هذا الكاتب سلَم أن الجمال يتحقق بالمبالغة , وحين رأى بعض الكتابات الشعرية تعتمد على الغموض،
استلهم هذا الغموض ومارس عليه المبالغة حتى وصل لكتابة النصوص العمياء

كما يبدو أن هذه المسألة وجدت أيضاً في الساحة الشعرية القديمة , وقد وصف عبدالقاهر الجرجاني ذلك ، بين مَنْ يذهب إلى ” أن أعذب الشعر أكذبه” وبين من يرى  أن “أعذب الشعر أصدقه” ، وهو خلافٌ بين مَنْ يرى بجماليات المبالغة والتشبيهات البعيدة المشبعة بالخيال، و من يرى أن الجمال الشعري يتحقق بصورة أفضل بالتشبيهات القريبة غير المبالغ فيها

 

يقول امرؤ القيس :

حور تعلل بالعبير جلودها

بيض الوجوه نواعم الأجسام

 

نجد وصفاً لمجموعة من النساء يسقين العبير مرة بعد مرة، كأن محيطهن امتلأ عطرا وهذا العطر لا يفارقهن من كثرة السقي..
وترى مدى نعومة المسح و سهولة تشرب الجلد للعبير من عبارة ” نواعم الأجسام” ، فهن لا يشقين بتكرار السقي بل تتعطر جلودهن بانسيابية ودلال

 

بينما قيس بن ملوح استخدم نمط المبالغة حين أراد التعبير عن اختلاط يأسه بشوقه فقال  :

 

أقلب طرفي في السماء لعله

يوافق طرفي طرفها حين تنظر!

 

وفي القرآن الكريم تشبيهات كثيرة من النمط الأول :

{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} البقرة:74

{خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} القمر:7

 

وقد تلاحظ هاتين النزعتين أيضًا في الفن التشكيلي،حين تقارن بين لوحات المدرسة الواقعية ولوحات المدرسة السيريالية

لقد كانت لي بعض التجارب الإخراجية , وكنت أرى أن مهمة المخرج في استنباط رؤية / ثيمة / استراتيجية / إطار عام , تحدد فيه لفريق العمل ماهو المطلوب فنياً وجمالياً , حتى يستطيع الفريق العمل كوحدة متجانسة , فماذا يمكن القول في إخراج أعمال تشبه السينما الإيرانية ؟
الجواب : إبراز الجمال أي ما يثير المشاعر , من خلال الواقع القريب والمباشر ..

ولعل من ينظر الأشياء بهذه النظرة يشعر ما شعرت به حين قرأت ذات مرة اقتباساً لشعر الهايكو يقول :

” الغرفة مظلمة

عنكبوت في النافذة

تغزل على ضوء القمر..”

 

انتهى

كَتبه: أحمد محمدي