استيقظتُ اليوم على خبر وفاته، فرِحًا! لم أكن في حياتي فرحًا كما هذه اللحظة.

هل ألوم نفسي وأعاتبها على شعورها هذا يا ترى؟ ما هذا الشخص الذي أنا عليه إلا صنعةُ يده فأنا لم أكن قبله أحمل الكراهية بل كنت كما تقول أمي دومًا:أنت صاحب روحٍ شفّافة، لا تحمل غلًا ولا حقدالكن ولدها أصبح غير الصبي الذي عرِفته. فقد قلّبتني الدنيا بين أصابعها ثم لاكتني ولفظتني حتى بصقتني إلى يدي هذا السمّاك النتن!

يصطادُ السمك وأُنظّفه من السَفَط لزبائنه، أخرِج أحشاءهُ وأوساخه حتى أُفلت السمكة من بين يدي وهي بيضاءُ كالغيم لا شَيَة فيها، يصيبها نور الشمس فتبرقُ كأنها الفضة، جاهزة تمامًا لتكون بين يدي أُمٍ قطيفية تعرفُ جيدًا كيف تطبخُ (الهامور والسوّد) وكيف تقلي (الفسكر والكنعد) وكيف تشوي (الصويفي والجنم)..

جعلني هذا الـسمّاك اشمئزُ من رائحة (الزفر) بعد أن كان أنفي يتراقص طربًا عندما يشمّها، فصرتُ أستيقظُ فجر كل يومٍ متململًا بالكاد تحملني رجلي إلى سوق السمك لأعمل وأنال رزقي.

رزقي! الذي كان يذلّني ويجعلني أنبذ نفسي كي أحصل عليه، أحصل على مئة ريالٍ في الأسبوع لا تكفي صعلوكًا يريد أن يعيش بلا جوع.

لا زلتُ أذكر جيدًا ذلك اليوم حينما وصلت السوق وكان لم يخرجْ بعد من البحر وبقيتُ أنتظره حتى أقبل ورحت أساعده في حمل الصيد الجديد وإنزاله..

أنت هنا أيها الـ(…)؟ تعال وامسك بهذه (البانة) التي تحتوي الهوامير واعرف قيمتها جيدًا..

ثم أكمل متهكّمًا..

ومثلك لا يعرفون السمك، ولا ماذا يعني!

بعدها راح يقهقه عاليًا ويقول: هل يدخل الهامور بيتك أصلًا؟! هل تعرف طعمه؟!

اشتعلت النيران داخلي وأوشك البركان على الانفجار، لكنني أفلتُّ ما بيدي وذهبت مسرعًا إلى مكان لا أرى فيه وجهه البغيض، لكي لا أصفعه!

ذاك الأسبوع لم يُعطني أجرتيلسوء أدبي، لم آكل سوى الخبز، لم أنم من شدة جوعي!

اليوم سأذهب إلى السوق والفرح يعلوني وسأمشي مستنشقًا رائحة البحر والزفر كما كنت أحبها، سأشتري كيلوًا من الهامور حتى لو تديّنتُ قيمته، كي أحتفل بموت الرجل الذي كان يريدُ أن يصطاد هامورًا كبيرًا فسقط في أحضان البحر!