المرة الأولى هي الأصعب .

أنفخ ، أنقبض ، ثم أنبسط لوهلة ، يغيبني ارتجاج قلبي عن ترجرجي على السكة الطويلة .

أعرق ، مبللا بارتباكي ، و ارتباك حجبي لارتباكي عن العينين الضيقتين المتلصصتين ، اللتين تخرقاني وتجرداني من كل أغشيتي و حُجُبي ، العينان الأكثر بغضا في عالمي القاتم ، اللتان تزيدان على رهبتي رهبة ثقيلة .

أود أن أمسح بلل جبيني ، لكني أخشى أن يفتضحني ارتعاش يدي ، لو ينام هذا المارد القابع قربي ، لو يستسلم لـسِنة قصيرة ! لكنه لا يفعل ، يستمر في اليقظة الأبدية ، و ينفخ تبغه الكريه قربي ، و أنا مختنق بأنفاسي الحيرى أساسا .

تووت ..تووت .

” سنصل بعد ساعة ”

يقذفها في وجهي ، أظن أني أود أن يتآكل هذا الطريق التعيس لأبدأ ، لأشرع بالانسلاخ التام و أرتدي جلدي الجديد ، سأصير كما أريد ، أشبهه ، أشبههم ، أعتمر نظرتهم الجامدة ، و حركتهم الواثقة ، سأثبت لي و له ولهم جميعا أني قادر مثلم على فرض سطوتي ، سأخرس تزعزعي ، سأصير عريسا ، أتزوج البندقية وسط أقداح الدم .

ليلة أمس ، حاصرني السهر ، تقلبت على بساط المعسكر دون جدوى ،مفتونا بالصباحات التي تحمل ريح البداية ، مستذكرا كلام القائد الأكبر ، ملتذا بانتخابي لهذه المهمة العظيمة ، متيقنا أني في المسار الصحيح أخيرا بعد سنوات من الربوض في الهامش ، لكني كلما ركنت لدغدغة الفرحة ، باغتني وجه جدتي ، وهي تعض على شفتها ، تعض و تعض ، حتى تنزف الشفة و تغرقني بمطر أحمر ، فانتفضت كثيرا ، و حاولت ركل هذه الصورة ، طردها عن مخيلتي المغتبطة ، لكنها تلتصق بي حد الالتحام ، لذا أفقت هذا الصباح مغبّش الخاطر ، متعب البدن ، و دلفت إلى مقطورة قيادة القطار مكدودا معكر الفكر .

ليست المرة الأولى التي أقود فيها قطارا ، لكنها المرة الأولى التي أحمل فيها هذه الحمولة ، و أُناط باللازم !
اللازم ، حلمت به ، تشوقت مرارا له ، أردت أن تزداد حصيلتي كما أشباهي المتباهين بعدد ” الرؤوس والغنائم ” و أنا خالي الوضاع كـصفرٍ على قارعة الشمال ، ينحصر دوري في كنس المعسكر و توضيب الطعام أو قيادة قطار يحمل ” الأبطال ” و يعود كما ذهب و أخيرا … تحمل غضب الساسة .
أردت هذا اليوم بجوع تتضور له كل خلية من خلاياي ، فلماذا أُحجم اليوم و أتردد ؟
يثقبني الـ … بعينيه ، يمرر لي تشكيكه بعزائمي ، تهرسني نظرته المشمئزة ، يقول لي : أوشكنا .
نعم أوشكنا تماما ، و أوشكت على مضاهاته ، لن يعود قيّما عليّ بعد اليوم ، لن يستأثر بالبطولات و لا يلقي إليّ حتى الفتات ، سأصير له ندا ، و قد أفوقه .
هذا الصباح سألت القائد الأكبر :
” لماذا يصطحبني عز الدين ؟ أستطيع إنجاز المهمة ، ينتظرني “الإخوة” هناك ، سيطرتهم محكمة تماما .
رد :
” تسمع و تنفذ و تطيع ! ”
اشتعلت حرائقي ، قلت ، سيربح هذه الصولة أيضا ، لكن صورة الدماء من شفتي الجدة أخمدتني ، أنستني سُعار المنافسات العطشى للدم ، هي تنزف و الغنائم تنزف ، دم في دم ! ، أغرقني الدم في نبوءة جدتي ، و سأغرق المدينة التي سنصل إليه بدم لن تستطيع مسحه ، نحن ، في هذه المهمات العظيمة نطهر العالم من هذه الدماء الأسنة العفنة ، الدماء المختلفة ، التي تتحدى قوانيننا / قوانين ” الحق ” ، و تصر على اختلافها ، سأصل قريبا ، و أهبط من القطار بحمولتي ، خمس غنائم ، من نشطائهم ، عالم و كاتب ومدرس و طبيب و خطيب ، سأعلقهم بيدي على جذوع الشجر ، و أُري ” عز الدين ” و ” الإخوة ” هناك و أهل المدينة المختلفة ، كيف يكون التطهير ، سأقتلهم رميا بالرصاص ، واحدا تلوى آخر ، و سيعرف الجميع من أنا .
لكن وجه جدتي ، يخيفني ، يغرقني بالدم و الأسئلة ، يوقظ بي أجزاء طفولتي الكامنة في غياهب هذا البدن الكبير ، يعيدني إلى سن الخامسة ، حين ماتت أمي ، و صار يتحتم على جدتي ” المختلفة ” أن تتحمل أعباء رعايتي ، بينما يسافر أبي للعمل في الخليج .
جدتي مختلفة ، من مدينة أخرى ، و عقيدة أخرى ، تزوجها جدي بعد حادثة ضياعه مسافرا في إحدى القُرى ، و عاد بها إلى أهله ، تشبثت جدتي بعقيدتها ، صارت حياة والدي و إخوته ملونة ، يمارس الجميع ضرورياتهم بحرية ، لا يبدون تأثرا بهذا الاختلاف ، حتى عندما كبرت و ذهبت لوالدي في غربته طمعا بفرص العمل و عرفت العقيدة ” الحق ” و الطريق الوحيد الأوحد للحقيقة ، لم يكن والدي يُبدي اكتراثا لفكرتي ، لاعتراضي على ميوعة معتقداته بعد سماعي لفكر ” الإخوة ” و انجذابي إليهم .
لا يظهر والدي تأثرا ، لكني أفعل ، سأكون السلاح الذي يطهر هذا العالم من وسخ المختلفين العصاة ، هذا ما ولدت لأجله .
انضممت للتنظيم ، تلقفني ” الإخوة ” ، شاطرتهم التدريبات و مهام المعسكر دون تجاوز حدوده ، أبديت حماستي تجاه ما يقومون به ، حاولت الاحتفاء معهم بعدد ” الرؤوس ” الـتي يظفرون بها ، بالغنائم بكل شيء ، لكني حين أتوحد و سكون ليلتي في صمت المهاجع يخزني سؤال ما : هل هذا ما أريده ؟
الغرق بكل هذه الدماء ؟
و رغم هذه الهواجس ” الكافرة ” ، أنا سعيت لهذه الفرصة ، لكن لو يتركني وجه جدتي .

المرة الأولى هي الأصعب ، دائما .
يرجني الطريق ، يرجني قلبي المضطرب ، تثقبني عينا عز الدين ، يمرر لي أنها مدينة جدتي ، بأُناسها وأشجارها و مقاماتها ، بمراتع طفولتي و بكور مراهقتي ، أحاول أن أظهر له أن انتمائي لهذه المدينة ذوى ، لكنه يكشفني ، أو يكشف لي نفسي .

تووت .. تووت !

سنصل ، سنهبط إلى وعورة الواقع ، بندقيتي قرب رجلي ، سؤال عملاق يحكم قبضته عليّ : هل ستفعلها ؟
وجه جدتي ، الطرق و الشجر ، البيوت الحميمة ، الأطفال الوادعون الذين يتنفسون ما كنت أتنفسه قبل أعوام / قبل أن أُمسخ .
ما الذي يجري ؟ما الذي يتغير ؟ متبعثر بين الصواب و الخطأ ، لا أميز أيهما ، هل تتغير قناعاتنا عندما تمس مناطق شخصية ؟مشارف المدينة تلوح لأغيب أنا ، يصلني أنين الطبيب المعصوب العينين ، ما عالجني في طفولتي لكنه يحمل ملامح وطن ضاعت خارطته في ذاكرتي الجديدة .
بالأمس مررت على ركن المعتقلين الخمسة ، قال لي العالم : أراك مختلفا ، لا تخسر إنسانيتك !
أوشكت أن أقتله ، لكن شيئا ما أمسكني ، ربما هي رهبة المرة الأولى !
هل هذا ما يضيعني الآن ؟ رهبة المرة الأولى ؟ أم وجع الذاكرة ، أم اكتشاف فتوحات النفس الجديدة ؟
سنصل المحطة ، سيتوقف القطار و ربما يتوقف قلبي ، هل سأفعل ذلك ؟
سأنزل ؟ و أنصب المعتقلين الخمسة ؟و أفرغ الرصاص بهم أمام مرأى الناس لتحقيق الرهبة و زرع العظة و الاعتبار ؟ سأفعل ؟
و إن لم أفعل ؟ إن استيقظ بي شيء أخافه و لا أعرفه ؟ ما الحل الذي أستطيعه ؟ سيقتلني عز الدين وأوصم بالخيانة .
أنقبض ، أنفخ ، أختنق ، تبيضّ كل الصور ، يضرجها نزف أحمر ، وجه جدتي ، أنين الخمسة ، تبغ عز الدين .
يسكن القطار ، سيُقبل ” الإخوة ” ، العالم يضيق ، أطلب الفرج من فُرجة ما …
آمسك بندقيتي ، تهتز يدي .
” مابك ؟ ”
ألتفت إليه ، أتذكر يوم جَلَدَني لسقي ” سبية ” من السبايا ، يقترب وجه جدتي ، يرتفع أنين المعتقلين ، ترتفع أصوات وقع أقدام أعرفها .
” ما بك ؟ ”
أتشبث ببندقيتي ، يرتفع حاجباه بسخرية و يلوي شفتيه ، أُفرغ فيه حمولتي ، و أصير ثقيلا جدا .