قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ والكَلَامِ، عَلَيهِ أَفْضَلُ الصلاةِ والسَّلامِ، في دُعاءِ الصَّبَاحِ: “وأَدِّبِ اللّهُمَّ نَزَقَ الخُرْقِ مِنّي بِأَزِمَّةِ القُنُوْعِ”

لَمَّا خَلَقَ اللهُ -عَزَّ وجَلَّ- خَلْقَهُ، جَمَعَهُمْ وفَرَّقَهُمْ، جَمَعَهُمْ عَلَى أَصْلٍ في النُّفُوسِ بحَمْلِهَا الخَيْرِ والشَّرِّ، وقُدْرَتِهَا على العَدْلِ والجَوْرِ، لِيَتْرُكَها وما تَصْنَعُ، وفَرَّقَهُمْ فسَاحُوْا في الأَرْضِ مُدَّةً ومِدَادًا، وتَشَعَّبُوا شُعُوبًا أَضْدَادًا، عِنْدَهَا تَشَكَّلَتْ طَبَائِعُ خَاصَّةٌ لِكُلِّ شَعْبٍ، مِنْهُمْ مَنِ ارْتَدَى مِنَ اللَّطَافَةِ وِشَاحًا، ومِنْهُمْ مَنِ انْتَعَلَ الكِبْرِيَاءَ فزَادَهُ كَلْمًا وجِرَاحًا، وخَلَقَ تَفاوُتُ المَعِيشَةِ كلَّ إنْسَانٍ بطِباعٍ فَرِيدَةٍ، وآلاتٍ عَديدَةٍ، يَشُقُّ بِها طَرِيقَهُ نَحْوَ الحَياةِ، فلَوْ ذَهَبْنا للأقاليمِ الفَقيرَةِ، والدُّوَلِ المُعْوِزَةِ، مِن حَيْثُ الاقْتِصادِ والمَكَانَةِ السِّياسيَّةِ المُتَرَتِبةِ عَلَيْه، لَوَجَدْنا شُعُوبَها على الكَدِّ والجِدِّ مُعْتادَةً، والمَشَقَّةَ والعَنَاءَ مُرتادَةً، مَعَ الرِّضَا النَّاتِجِ عَنِ انعِدَامِ البَدِيلِ، والتَّسْليمِ المُسْتَشْعَرِ في حِيلَةِ الذَّلِيلِ، لا يَصِلُ إلى ما يَرومُ، ولا يَرومُ ما لا يُوصَلُ إِلَيْهِ، فأَوْرَثَتْهُ دَيْمُومَةُ الحَاجَةِ القَنَاعَةَ، وحَبَسَتْهُ عَنِ التَّرَفِ الفَظَاعَةُ.

إلى أَنْ وَصَلْنَا إلى أُمَّةٍ أَنَاخَتْ رَحْلَها على بِئْرٍ أَسْوَدٌ مَاؤُها، فَاحِشٌ ثَرَاؤُها، فَوَجَدْنَا في الخُمُولِ أَهْلَها، ومِنَ البَذَخِ فِعْلَها، تَخْدِمُها الإمَاءُ عَلَى الإيْمَاءِ، فَتَجْني دُونَ الزِّرَاعَةِ، وتَأْكُلُ قَبْلَ المَجَاعَةِ، وتَبِيتُ عَلَى الدِّمَقْسِ لا مُرْتَقِبَةً ولا مُرْتاعَةً. فَأَصْبَحَتْ لِمَا نَشَأَتْ عَلَيْهِ مِنْ إجَابَةٍ للطَّلَبِ، كَثِيْرَةَ اللَّعِبِ، لا تُبَالي وُقُوعَهَا عَلَى الحَقِّ أَوْ وُقُوعَهُ عَلَيْها، وأَكْمَلَتْ طِبَاعَ النَّفْسِ الأَصْلِيَّةَ بِالنَّزَقِ طَبْعًا مُكْتَسَبًا، وهُوَ أَرْذَلُ مِنْ رَذِيلِ طَبْعِ الأَنْفُسِ، فإِنْ سَاقَتْها جُبْلَةُ الأَصْلِ عَلَى المُنْكَرِ، لَمْ تَرْدَعْها سَجِيَّةٌ عُوِّدَتْ عَلَى التَّلْبِيَةِ، وَلَمْ تَعْرِفِ الرَّفْضَ والإذْلالَ، ولا المُعَارَضَةَ على الآمالِ، فَكَانَتْ أَسْرَعَ النُّفُوسِ إلى الخَطِيئَةِ، وأَبْطَأَها إلى النَّدَامَةِ، وَأَوْهَنَها لِكَبْحِ غَرِيزَةٍ أَلِفَتْها، وأَتْوَقَها لإشْباعِ شَهْوَةٍ خَطَرَتْها.

فَحُقَّ لِمَنْ كَانَ فِيهِ طَبْعٌ مَذْمُومٌ، أَوْ فَرْعٌ مَسْمُومٌ، أَلّا يَدَعَهُ يُوْرِقُ، بَلْ يَعُودُ إِلَيْه لِيَقْطَعَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حُشَاشَتِهِ، وَيُقْلَعُ مِنْ قَرَارَةِ رُوحِهِ، فَقَدْ خَلَقَ اللهُ الإنْسَانَ فِي هذِهِ العُقْدَةِ، وَأَعَدَّهُ بِالعُدَّةِ، كَيْ يَخْرُجَ مِنْهَا سَالِمًا، وَيَرْجِعَ إِلِى رَحْمَتِهِ لا وَاهِمًا ولا آثِمًا، وَإِنْ حَسِبْتَ فِي الأَمْرِ سُهُولَةً، وفي تَهْذِيبِ النَّفْسِ حُزُوْنَةً مَقْبُولَةً، لَكَانَ أَمْرُ اللهِ يَسْتَهْزِءُ بِهِ المُسْتَهْزِؤُونَ، وَحَاشَا للهِ، فَقَدْ اخْتَبَرَ الآدَمِيِّينَ فَأَحْسَنَ الاِخْتِبَارَ، وَخَيّرَهُمْ فَحَيَّرَهُمْ الاِخْتِيَارُ، إلَّا مَنْ اِجْتَهَدَ وَاقْتَصَدَ، وَأَدَّبَ طَبْعَهُ قَبْلَ أَكْلِهِ، وَهَذَّبَ قَلْبَهُ قَبْلَ شَكْلِهِ، فكَانَ الدِّينُ -بِإِذْنِ اللهِ- عليه يَسِيرًا، وَإِلَى الغَايَةِ سَعْيًا مَشْكُورًا.