النص المختلف، النبرة الخاصة، هذه أول ثمرة تقطفها حين تتجول في نصوص الكاتب فاضل الجابر حيث تشعر أن ما يكتبه لا يشبه سواه، لفاضل الجابر عدة إصدارات متنوعة في شتى الأجناس الأدبية: السردية و الشعرية، و للتعرف على تجربته كان لـ مدونون هذا الحوار معه:

1/ نريد ضوء على سيرة الكاتب الذاتية، من هو فاضل الجابر، الكاتب و الإنسان، و هل نقدر أن نفصل بينهما؟

لا أصنّفُ نفسي بشيء عادةً فأنا لازلتُ أبعدُ ما أكونُ عن مسمى كاتب و أقربُ ما أكون للإنسان القروي الذي يتكلم اللهجة العامية ويتعثر لو أراد الدخول في مأزق التحدث بالفصحى. أزاول الحياة العادية في الأنحاء وأعملُ في عمل ليس له علاقة تذكر باللغة أو الإبداع. يدهشني أحيانًا كيف أن البعض أخذ حياة الكتابةِ هذه لمنحى يساير ماهو فيه وكأنه في حالة كتابةٍ مؤبدة. الشعر هو لحظة بسيطة من الإلهام الذي لا يتأتى كل يوم وكتابة النص ما هي إلا عملية إكمال هندسة تلك اللحظة وفرد زواياها وتأطير أبعادها.

2/ يقال أن القلب يُبتنى في السنوات الأربع الأولى من عمر الإنسان ؟ و يقال أن الطفل في دواخلنا لا يكبر أبدا..لكننا مع تقادم مسيرة العمر ننساه أو نُغيّب صوته.. هل لطفولة الكاتب مساحات في الذاكرة ؟ هل أثرت فيه و في نتاجه؟

ذاكرتي وشجت على الحزن لفقد أدركته في سنوات عمري الأولى وانطبع حتى على تقاسيم وجهي. حتى لو حاولتُ أن أغيّب صورته في ذبول شكلي هو هناك في مكانٍ ما يتحكم بكل ما أفكر به وأفعله. ما أكتبه قطعًا هو نتاج ما مررتُ به وهو أشبه بالصبغة الوراثية التي منها تعرف نسب النص ولن تضل في معرفة أصله. أستطيع أن أقول أنه يشبه الفلتر الذي تزوده برمجيات التصوير فحتى اللحظات التي تفرد فيها ابتسامة تحتالُ بشكل ما على ظاهر وجودك ستأتي أيضًا في صورة الحزن وستغرق في معانيه ومفرداته.

3/ من الملاحظ أن لفاضل الجابر  رؤية خالصة في الكتابة، لنقل أنه يمارس التجريب و الابتكار المتوالي و يتبنى فكرة إذابة القوالب الأدبية لإرفاد فكرة النص و تحريره، السؤال: ماذا يعني لك القالب الأدبي حين الكتابة ؟ و هل تفكر بشكل النص قبل كتابته ؟

“عيناي أعدمها التبصُّرُ في الرؤى، والدهرُ أعدمني رؤاي” لستُ منفلتا من قوالب الكتابة فانا لازلتُ متمسكًا بالإيقاع في كتابة القصيدة حتى لو تمادت الجملة طولا. كما أني لا أعتقد بتحديد هوية نص لم يأتِ بعد فأنا لستُ في مطاردة فكرة أو اشتباك لإرغام نسق، إنما في انتظار تلك اللحظة التي تأتي بجملة تسوق قطيع الكلمات للاصطفاف والتشكل مدوزنة وفق ما يناسبها من إيقاع. مارستُ الكثير من الكتابة منذ بداية الألفية، الكثير مما لم يحفظ وذهب أدراج المنتديات منتهية الصلاحية. الكثير من النصوص العمودية والحرة والنثر والقصص راحت مع الوقت دون حفظ ودون اختلاجة ندم لفقدها.

4/ الحزن يتواتر في نصوصك، هل تعتقد بالحزن كمذهب خاص في الكتابة ؟ أم أن الحزن هو ما يعمق تأثير النص ؟

هذا ما كنتُ أعني حتما أن الحزن هو المتحكم في كل ما أكتب فلا “بهجة أدري كيف أحدوها” ولا نص سيخلو من وطأته أو يخرج عن سلطانه. ما لا يخرج من القلب لن يكونَ جديرًا بأن يكتب فما يضخه من انفعالات ستكونُ حتما من قاموسه الخاص وتورياته الخالصة. لا أجدُ أن الفرحَ يحفرُ في الإنسان كما يحفر الحزن، أجدُ أن النصوص المنقوعة في الأحزان هي التي تثبتُ ولا يبهتُ لونها مع الزمن.

5/ بعد تجربتين شعريتين صدرت لك رواية مساحة لعن شاغرة، لماذا اتجهت للرواية ؟ و ماهي إرهاصات خوض التجربة الروائية ؟

أجزم أن لكل إنسان حكاية يرويها؛ والقصة كانت راسخةً منذ عرفت فعل الكتابة وقد نويتُ فعليا تدوين ما في رأسي عام 2005 ولكن فورة الروايات قد ابتدأت حينها وارتأيت ألا مكان سيكونُ شاغرًا لذا كبحتُ الرغبة تلك. ما حدث لاحقًا لم يكن بتدبير محكم إنما كانت بداية مع كتابة الحلكات وبالأخذ بنصائح الأصدقاء في توثيق النص ثم بتحديد زمن الحدث ومكانه لتؤول “مساحة لعن شاغرة” لما هي عليه من تصنيف.

6/ لفاضل الجابر تجربة متنوعة في مستويات التلقي، فنجد مثلا القصيدة القريبة من كل شرائح القراء و التي يتم تداولها بصورة شاسعة جدا مثل قصيدة ” من أفزعك ” و هنالك النصوص ” النوعية ” التي لا تلقي بنفسها من أول قراءة و تحتاج لقارئ يحاورها للتعرف على تضاريسها، هذا التنوع كيف تصفه ؟

هو الحظ وحده من قرر أن يتم تداول مطلع قصيدتي في تويتر بهذا الشكل بل أن يتم ذلك بصورة مشوهة وبكافة الأشكال. لعل التساؤل الذي ابتدأت به القصيدة كان يتماس مع حالة فزعٍ عامةٍ قد تداهم أي شخص وللحقيقة أقول إن أكثر من تداول هذا المقطع هم من فئة ليس لديهم إطلاع على الشعر إجمالا إنما ناسبتهم الجملة الشعرية في وصف حالتهم المشوبة باليأس حينئذ. النص في مجمله يدور عن إنسانٍ يتلمّسُ آثار الحقيقة في معرفة نفسه وسط صخب هذا العالم ولذا كان هذا القرب. لا أستطيع معرفة إن كانت قصائدي الأخرى معقدة لهذا الحد فهي لم تجد الفسحة لمصافحة العالم بهذا الشكل وهنا لا أستطيع الحكم أو القطع بنوعية النص من عدمه.

7/ و على ضوء ذلك.. هل يحب الكاتب تداوُل نصوصه ؟ و هل يأسى على تلك النصوص النوعية احتفظت ببريقها للقارئ المكتشف ؟

أعتقد أن الكاتب دخل حيّز الأسى متى ما تجرأ على نشر كتاب لم يتم تداوله بشكلٍ مأمول. لا أجد من ألوم فأنا على يقين أني استفدتُ من تجربة الطباعة الأولى في اختيار الناشر ليصدمني بعدم أهلية اختياري ذاك ومن ثم أجد أن المشهد يتكرر وبشكل أقسى في التجربة الثالثة وقطعا كانت القشة التي قصمت ظهر التجربة في الرابعة. إذا لم يجد الكاتب تلك الفسحة التي تظهر فيه نصوصه فالأجدى أن يحتفظ بها في الدرج حتى لا يهدر نفسه في عالم لن يعرفك حتى تطفو على السطح.

8/ بشكل عام.. هل أسهمت منصات النشر الإفتراضية في إيصال صوت الكاتب ؟

بالطبع أنشأت قنوات مرئية أو سمعية حادة التأثير حتى لمن لم يتعاطَ الكتابة يوما، فأصبح لكل كاتب اليوم منبره الخاص الذي يلتف حوله من يريدُ رؤية جديده أو الاستماع لصوته. صدى الكاتب يصلُ بحسب العدد المقترن بعداد الحساب وتساهم بالطبع عوامل معروفة أخرى.

9/ لمن يقرأ فاضل الجابر و هل أسهمت قرءاته في تكوين صوت كتابته ؟

أقرأ القليل من الشعر والقليل من الروايات، أحب أن أسمع الأصوات الداخلية في النصوص. لا أستطيع أن أقول إن هذا القراءات قد تسهم أو تؤسس لشيء فهي بالكاد تذكر مقارنة بما يفعله آخرون. ما أشير إليه هنا فقط أن حظي كان جيدا بما يكفي حين أخذتني يد القدر لكتاتيب القرآن في سن مبكرة وتعلمتُ هناك ما يلزمني لتقويم لساني. أحببت الشعر من أناشيد الأطفال وترنيم مدرسي الصفوف الإبتدائية لها، لا شيء آخر أستطيع أن أقوله..

10 / ماهي مشاريع الكاتب فاضل الجابر ؟ و هل من جديد ؟

كنتُ ابتدأت تصور خيال مجموعة شعرية رابعة وتصوتُ أني أسيرُ بشكلٍ جيدٍ إلى حدٍ معقول في إنتاج بعض النصوص الصالحة للنشر. ما فعله COVID-19  أن وضع هذه البداية في العزل وليس لي العلم متى سأخرج بها من هذه الحالة الطارئة والمتفاقمة، لأن شيئًا لا يدع المخيلة تبدع خلف إطار الحقيقة المعاشة بشكلها المأساوي هذا.

 

خالص التقدير

فريق مدونون.