أنا لُغتي

 

اللوحة للفنان الألماني المعاصر كوينت بوتشولز

أذهب للكتابة كما أذهب لمواعيد الصلاة، لاعتقادي بأنّها اصطفاء وعلة من أجلها خُلِقت، يقول محمود درويش: ” هذه لغتي ومعجزتي، عصا سحري، حدائِقُ بابلي ومسلّتي، وهويتي الأولى ومعدني الصقيلُ”، الانغماس الكلّي والانفصال التّام عن الواقع هو رياضة روحية، حالة من الخشوع، كتابة القصيدة تُشبه النوم، النوم عن جسدك المحسوس واليقظة في عالم موازي، أن تزور الحلم بنفسك وتطرق أبوابه واحداً تلو الآخر، كما لو أنّك تتجول في حقل “لا وعيك”، مجموعة من الصور الذهنية تسقيها بماء رغبتك.

في الكثير من الأحيان أذهب للكتابة ومعي قهوتي وأفكاري وخططي لبناء القصيدة، وأقضي ساعات طويلة دون أن أكتب أي حرف واحد، لكنّي لا أحزن، لأني إن لم أكتب فأنا مارست الانغماس  ولو لم يتحقق بشكل كامل فأنا نلت شرف زيارة مخيلتي، ومشيت بين الصور في أزقة الذاكرة.

القصيدة موجودة بشكل من الأشكال في وجودنا، وحين تنزل في القوالب والكلمات والحروف، فهي نازلة من صورتها اللطيفة في الكيان إلى صورتها الكثيفة صعبة التشكل، في الكتابة أنا أمارس عملية تفاوض بيني وبين القصيدة في عالمها بأن أقنعها في الهبوط للأشكال، منحازاً لذوقي عن ذوقها في اختيار ثوبها المناسب.

بالتأكيد أحتاج إلى ضبط البناء النفسي قبل الإقبال، لكنّي لا أؤمن بفكرة الوحي والمزاج، وحي الشاعر ومزاجه وإذا كان هو حقيقة، فهو في سلطتي ولست في سلطته، فهو منّي ولست أنا منه.

أحمد الرويعي