ماذا لو فشلت؟ ماذا لو تتحقق النتائج المرجوّة؟ ماذا لو تمّ انتقادي بحدّة شديدة من المُجتمع؟ كيف يُمكنني التعافي من كُل الضغوطات التي قد تنشأ بعد إقدامي على الفعل -الفلاني-؟ هل هذا الصنيع سيكون مُجرّد مضيعة للوقت أو سيذهب هباءً منثورا؟ وهكذا نغوص في كهف الأسئلة السلبية التي تقودنا عادةً للتوقّف عن إنجاز أيّ فِعل نرغب بفعله، بل ويُصوّر لنا الخوف النتائج من اقتراب اتخاذ بعض القرارات الخاصّة بأمر ما بأنّ الحياة قد تنتهي إذا ما قُمت به، فعلى سبيل المثال لا الحصر: لا تَكتب فأنت لستَ بِكاتب، لا تُحاول ممارسة الشعر فأنتَ لستَ بشاعر، لا تلعب كُرة القدم فأنتَ ستتعرّض للسخرية، لا تُقدم على تمثيل نصِّ مسرحي فأنت مجرّد إنسانٍ بسيط لا يُمكنه التعبير عن هذا النص، وهكذا دون قيود ينطلق هذا الخوف ليبتلع كُل رغباتها، كُل أشكال الشغف التي قد تتشكّل، ستبقى في خانة المُنتظرين، المُبتعدين عن مُحاولة تَرك أثر، مُحاولة مُمارسة ما تُحب لا ما يُفرض عليك.

العادة قيمة عُظمى مُهملة

قبل سنين اشتركت في أحد نوادي اللياقة البدنية في محاولة منّي لإصلاح ما أفسده الزمن، في محاولة لاستعادة اللياقة والقدرة على التحمّل للعودة للعب كُرة القدم والحياة بشكل أكثر صحّي، في الأيّام الأولى كانت التمارين جحيماً، فكّرت بالهرب والابتعاد عن هذا المجال الغريب عنّي، كان الألم لا يُطاق، كُل عضلةٍ في جسمي تصرخ يومياً، لا زلت أتذكّر تلك اللحظات، لم أكن أرجع إلى النادي إلا لوجود مُعلّم قادر على تحفيزي ودفعي لمستوى جديد في كُل يوم، لم يكن يصيبه اليأس، أنا كسول جداً رياضياً ففي شهر يُمكن لبعض الرياضيين اجتياز مستوى معيّن أما أنا فإني بحاجة إلى ضعف هذا الوقت للوصول إلى مستوياتهم، الأمر لم يكن مُختلفاً جداً في مجالات أخرى في حياتي، مع الوقت اكتشفت أنّ الألم ما هوَ إلا نتيجة عضلات غير مُدرّبة ومضى وقت طويل لم تتحرّك بشكل يُناسبها لتكون قادرة على تقديم أفضل مستوى لها.

فعلياً لا تُوجد أخطاء قاتلة، عليك أن تبدأ بممارسة ما تُحب وتمضي في سبيلك بعيداً عن كلمات البشر، قبل سنين طويلة لم أكن قادراً على القول بأنّي كاتب، فأنا كُنت مُصمم غرافيكس ومُتبحّراً في عالم الفوتوشوب تحديداً، وبعدها كُنت لاعباً لألعاب الفيديو بإدمان، لم أكن قارئاً كما أنا اليوم لكنّها البذرة الأولى التي غرسها لي والدي، مكتبة جميلة وقراءة مُستمّرة أمام عيني، كَتبت قصصاً بلا مُعلّم، والخوف يجتاحني، كتبتها للصغار بعيداً عن أعين الكِبار، فالكُل ينتقد بلا رحمة، لم أتخيّل فيما مضى أنني في يومٍ ما سأكتب وأكتب وأكتب، وتكون الكِتابة بالنسبة لي حُبّا، وفعلياً صيّرتها عادة، في كُل يوم هُناك كتابة بشكلٍ ما.

لا تقل عنها “روتين”، إنها عادة ستُعطيك الأفضلية لأنّك تتمرّن بشكلٍ طبيعي وبسيط يومياً ولساعات، وتغذّي قدراتك بالعديد من التجارب.

الاحتراف

لا يُمكن أن تكون كاتباً مُتمكناً من أفكارك منذ البداية، ولا يمكن أن تكون كاتباً قادراً على السرد منذ اللحظة الأولى، كذلك لا يُمكنك أن تُفرغ سرداً إذا توقفت فترة طويلة من الزمن عن الكتابة، ببساطة ستشعر بذلك الألم الناتج عن عضلات لم تتحرّك منذ زمن، لا بأس، فالاحتراف يتطلّب التكرار والتطوّر وامتلاك مُعلّم قادر على دفعك للأمام، وهذا التكرار بحاجة للالتزام بشكلٍ مُتعب لكنّه في لحظة واحدة سينقلب من جحيم إلى نعيم، وسيتسمر الأمر بديعاً طالما نُمارس ما نُحب، في حالة الكِتابة نحن بحاجة إلى إعمال عقلنا أكثر من أيدينا، تفجير قلوبنا أكثر من زخرفة حروفنا، أن تكون مُحترفاً في مجالك أن تكون قادراً على العطاء بشكلٍ مُستمر، هيَ ليست مثالية لكنّها واقعية، فمن دون المُحاولة أنتَ لم تُسجّل في سِجل المُحاولين، وإن لم تفشل فلن تكون قادراً على الاحتراف فالتعلّم عادةً يكون في خانة الفشل، بلا هذا الفشل والخوف الذي يدفعنا للأمام نحن نتحرّك في دائرة لا تأخذنا إلى الأمام بل تعيدنا إلى حيث كُنا في كُل قصّة.

أخيراً

لا تخف من الفشل، استثمر الخوف لتتعلّم، وليَكُن فشلك في تقديم المأمول درسك الأوّل في هذه الحياة لتجد الحلول الخاصّة بك لتقديم ما تُحب بشكلٍ يليق بك، ولا تخشَ الناس، عندما تتطوّر ستجدهم عند أعتابك يطرقون الباب بحثاً عن تجربتك، فالثمرة في نهاية المطاف هيَ رحلتك وما صنعت بها، والنتيجة ستأتي وفقاً لهذه المُعطيات.

أنتَ ابن فِكرتك الأولى عنك، لا تخشَهم اخشَ الناقد الذاتي الذي يوقفك في كُل مرّة.