القصيدة الحائزة على المركز الخامس في مسابقة شاعر الحسين بنسختها الثانية عشر | أحمد الرويعي

“لا ترهبِ الحوتَ بالبحْر!!”

(١)

إذا الطِّينُ..
جاءَ بعهدِ الكثافةِ للنورِ
سوفَ تفورُ التنانيرُ بالماءِ..

كانَتْ ذيولُ الرياحِ ..
تُحِيطُ السفينةَ
وهي تسيرُ إلى عالمِ الروحِ

كانَ القضاءُ.. أحدَّ من الحدْسِ
يمخرُ نسجَ العجاجِ
لتنفذَ منهُ الحقيقةْ

(٢)

يسيرونَ نحوَ البياضِ..
كأنَّ الضبابَ يهرولُ خلفَ النياقِ
ليتركَ آثارَهُ فوقَ آثارِها..

كلما ظهرَ النصرُ
وهو يرفرفُ فوقَ الهوادِجِ..
تُسمَعُ قعقعةُ السيفِ في الغمدِ

والموتُ..
حينَ رأى “حاجِبَ الربِّ”
يحمِلُ رايَتَهُ في عنانِ الوجودِ
تنحى..
وعصَّب أعينَهُ بالقدَرْ!

(٣)

أناخوا الرِّكَابَ.. وشدّوا الخيامَ..
وجاءوا برمحٍ طويلٍ ..
فحطَّتْ عليه غمَامَةْ

وشقّوا السماءَ قليلاً
فسالَ الخفاءُ..
أحاطَوا مخيمهَم بالسرابِ

وحَمْحَمَتِ الحربُ..
لمّا هوى النجمُ
وانسلَّ فيْءُ اليقينِ بجيبِ الظلامِ
وبانَ على الجيدِ
وهمُ القلادَةْ

(٤)

تنامُ الثعابِينُ فوقَ الوثيرِ
وتبقى بناتُ المشيئةِ
فوقَ حصيرِ الظمأْ!

(٥)

وحينَ غشا الصمتُ..
أخبيةَ الوحيِّ
وانقطعَ الحبلُ في البئرِ
مالَ عمودُ الضياءِ على الأرضِ..
فالتقطَ الفيضُ كفَّ المددْ

(٦)

أنا لم أجدْ غيرَ ظلِّك..
يعبرُ بينَ الخيامِ
يوزعُ تلكَ المشاعلَ في الليلِ
يفتحُ بينَ الضلوعِ بيوتاً إلى النحلِ
ينزعُ من تربةِ الخوفِ جذرَ الحسكْ

وأنتَ هناكَ..
تصلِّي..
فتندكُّ بينَ “التطنجينِ”
والمهدُ جنبَك يهتزُّ
والطفلُ يُرفَعُ فوق الهواءِ
ويطلِقُ أنفاسَهُ للفراغِ
فيصدرُ منها صريرُ الفلَكْ!

(٧)

لقدْ طلعَ الصبحُ..
تمشي..
وخلف ردائك تختبئُ الشمسُ
رأسكُ مُرتَكَزٌ للسحابِ
وكفُّكَ تمسِكُ بالبحرِ
تمشي..
كأنَّ الفراديسَ تصرخُ:
“أقدِمْ علينا
فقد أينعَ اللوحُ
واخضرَّ حبرُ القلمْ”

(٨)

وأسمعُ همهمةً بينَ طفلينِ:

 “أينَ فؤادُكَ؟”
 “عند الحسين..”
 “لماذا إِذاً أنتَ خائِفْ؟!!!”
 “أخافُ..
بأنْ يجلدَ النخلَ
سوطُ العواصِفْ”

 “أهل يُطعَنُ الفجرُ عندَ اتساقِ القمرْ!؟”
 “أجلْ، حينَ تُقطَعُ أيدي السماءِ
ويُذْبَحُ في الغيمِ نحرُ المطَرْ!!!”

 “وماذا عن السَّهمِ؟”
 “سوفَ يشقُّ حجابَ الألوهةِ في هيكلِ العرشِ”

 “والرمح؟”
 “اَلرمْحُ يحمِلُ رأسَ الحقيقةْ!
فيكشِفُ منديلَهُ الديبقيَّ
وتنقذُ عيناهُ تلك الرؤوسَ الغريقةْ”

(٩)

ولمّا بقيتَ وحيدًا..
تنزّلَ من صفرةِ الغيبِ في شفتيكَ
لتلكَ النواويسِ ماءُ الحياةِ
فأورقتِ الجثثُ الدَاميةْ

(١٠)

تُصِرُّ على الفتح..
والدَّمُ يشخبُ من جبةِ السرّ..
جسمُكَ منغمِسٌ في الحديدِ
وسيفُكَ يقتحِمُ البغيَ
تقبضُ ناصيةَ الكونِ
تمضي..
وجرحُك عشٌ لسربِ القطا!!

(١١)

دماؤك عذبٌ فراتٌ
ودمعُك ملحٌ أجاجٌ
فسبحان من مرجَ البحرَ والبحرَ
في عينِك الحانيةْ

(١٢)

وأما عنِ الموتِ..
حين وقعتَ صريعاً ومتَّ..
أزاحَ العصابةَ عن عينِهِ
فرأى “حاجب الربِّ” فوقَ رماحِ الأبدْ