تبقى النصوص المشتبكة مع المعاناة الإنسانية ذات تأثير مكثف في التلقي، ذلك أنها تنفذ إلى تلك المنطقة المشتركة في ذاكرة الوجع الإنساني، مما يجعل النص القائم على تلك الدعامة نصا قريبا، ومتقاطعا مع عدة حيوات.

هذه النصوص التي ترصد دواخل الذات وانكساراتها وانعطافاتها من أدق النصوص لكن الركيزة الأهم والتي تصنع الفارق هي كيفية تقديمها.

يقدم الكاتب حسين المتروك في نص: في رأسه حكاية نوعا من المعاناة المتوالدة، الناشئة من جذر عميق في الطفولة، والمتزايدة كعوالم ناشئة ومتداخلة تبدأ من نقطة ولا تلبث أن تتكاثف، النص قصة من مدرسة اللاوعي، ويقوم على تقنية السرد المشهدي وإن خلا من الحوار، ويحتاج لأكثر من قراءة لتتبع المسار السردي والخلاص إلى ترسيخ الفكرة.

-العنوان مفتاح لمعرفة الشخصية:

يقدم لنا العنوان العتبة الأولى لفهم النص والتعالق معه، ذلك أنه يمرر فكرة أن كل ما يدور في هذا النص ناشئ عن حكاية في رأس – ذهن – شخصية النص، هذا اللاوعي الضاج بالصور والمعاناة، ونزف الذاكرة البكر، يصنع تلقائيا عوالم عدة، تخرج بالشخصية من البيت، والطفولة المعنفة إلى المدرسة، وإلى ألم الصفعات، والمشاهد الأخرى التي تؤكد تأزم الشخصية.

فالناص هنا يعطينا مفتاح البدء، ويترك ” اطمئنان ” التلقي لترجيح القارئ وتأويله.

ففي القراءة الأولى عرفت أن الشخصية تعرضت وتتعرض للتعنيف، وهذا العنف من بيئة الأمان الأقرب، من الأسرة، ومن الأم تحديدا وإن لم يذكرها الكاتب بالتحديد إلا أنه اتكأ على تقديم مظاهر وجودها. وفهمت أن هذه الشخصية ترتبك في التحصيل الدراسي، وفي العلاقات الاجتماعية.

لكن القراءة الثانية أعطاني النص تلقيا جديدا، وأعتقد أن العنوان ساعد في ذلك، وخصوصا لو عززنا فكرة القفلة، فطرحت السؤال: ماذا لو كانت كل تلك المواقف المأزومة التي تمر بها الشخصية – في المدرسة- عبارة عن إفرازات عدائية لـ طفولته القاسية؟ ماذا لو كان بطلنا يتعامل مع بيئة الحكاية بتوجس فيحصد الضحك والضربات، ماذا لو كان يحب ويجيد دور الضحية؟ ماذا لو كان تجاهل الأستاذ له ضربا من التخيلات؟ ماذا لو كانت كل تلك الحكايا ” في رأسه؟ “

-هيكل النص:

رُتب النص بصورة فقرات منفصلة ” مشاهد “، وشعرت أن هذا الترتيب نجح في إعطاء المتلقي صورة شمولية لأكثر من موقف، خصوصا وإن نظرنا إلى آلية تقديم النص واتكائه على الصور الديناميكية الحركية دون التسلل إلى دواخل الشخصية، فنحن لم نعرف كيف يشعر البطل إلا من خلال هذا السرد الحركي، لذا صار هنالك تضافر بين اللغة والتقسيم العام للنص، ولو كان النص قد قُسّم دون هذه الموازنة لكان التقسيم عبثيا، خصوصا مع ملاحظة ثبات خط الزمان والمكان.

-الأم بذرة الشقاء الأولى:

حين يخرج الكاتب من خط النمطية في السرد الإنساني، وحين يعجن المعاناة من غير المألوف يقع في مأزق ما لم يعزز نصه بالإقناع وتكامل الأدوات.

نحن هنا نواجه حِصار الوجع، الانهزام، العدائية، وأكثر عبر شخصية شربت المحنة من منبع غير مألوف، وهو الأم.
يخرق الكاتب هنا صورة الأم النمطية، ويخرج بتركيب مختلف لها ليستحيل منبع الأمان المفترض إلى مشرب التوحش، يقول الناص:

” تراءت له ، وهيَ ترفَع النِعال في وجهه، خَسِرَ مُجدداً، لم يَعد قادراً على مواصلة الانتباه، وصل إلى نقطة الوِلادة مُجدداً. صُفِع.”

ويقول أيضا:

“كانت تُخبره بأنّ الضَحك ممنوع، فكُل شيء في هذه الحياة جاد لا يقبل الضحك”

قد تفترض قراءة ما أننا نواجه هنا زوجة أب، أو أية مربية أخرى، لكن بعض المفاتيح تقودنا لتأكيد أن هذه الشخصية هي الأم البيولوجية، منها ما تقدّم، ومنها ما يفرضه اهتزاز الشخصية وانهزاميتها.

وأجد أن النص كان دقيقا في تهيئة صورة هذه الأم الشرسة في المخيلة دون استخدام تقنية ” إرغام القارئ ” بالتصديق، ودون استخدام البكائيات المستهلكة.

القصّة (في رأسه حكاية)