(1)

جلسَ في الصف الأوّل ناظراً بعينينِ جاحظتين إلى وجه المُعلّم الذي يحكي الأرقام بلا توقّف، يُلاحقه يحاول فَهمَ تلكَ الرسومات التي ظهرت على اللوح، لم يعلم من أينَ جاءتْ وكيفَ تشكّلت هُنا، قطّب حاجبيه في محاولة لابتلاع المعلومات التي يحاول المُعلّم إيصالها إليه، يقطر جبينه، يهزّ قدمه اليُمنى إلى أن سقط دفتره الخاص من على الطاولة، لا تزال قدماه تتزلزلان، جسده انتفضَ رافضاً البقاء ساكناً، هوى. تراءت له، وهيَ ترفَع النِعال في وجهه، خَسِرَ مُجدداً، لم يَعد قادراً على مواصلة الانتباه، وصل إلى نقطة الوِلادة مُجدداً، صُفِع.

(2)

جلسَ في الصف الأوّل مُمسكاً بطاولته من الأطراف، ينظر إلى بطن المُعلّم الذي يصارع للعُري، يكتبُ بعضَ الكلمات في منتصف اللوحة ، فيتحرك ويمسح كُل شيء بأطراف بطنه الظاهرة من بين فتحات القميص، كَتب كُل ما كان قبل المسح الفُجائي إلا ما كان في الزاوية البعيدة عن مرآه، نظّف نظارته في محاولة لفهم حقيقة الأمر، هل بقيت كلمات أم مُحيت بالكامل؟ ضحك.

كانت تُخبره بأنّ الضَحك ممنوع، فكُل شيء في هذه الحياة جاد لا يقبل الضحك، رفع رأسه في وجه المُعلّم المَخنوق، ضَحِكَ مُجدداً، صفِع. دَمعت عيناه مُعاوداً الضَحِك، لم يكن يتألم فكُل شيءٍ قابل للكسر إلا المُهشّم ، صُفِع.

(3)

جلسَ في الصف الأوّل يراقب حَبل حِذاء المُعلّم، كثعبان يتلوّى في الأرض، يلاحقه يحاول الإمساك بديناميكية الحركة، حاول اصطياد المكان التالي، حاول لكنّه كان يفشَل في كُل مرّة، فالمُعلّم لا يتوقّف عن التحرّك في الفصل وثعبانه يلاحقه أو يسبقه في أحيان، سَمع صوتاً يُناديه، لم يُجب فالخَوف مَنجاة، في الفصل أفعى، سمعَ الصوت يتكرر وجسمُ المُعلّم يقترب منه، تراجع فالأفعى اقتربت، همساً يُنادى ولا يُجيب فالأفعى ارتقت حِذاءَه، صُفِع. أجب إن ناديتك يا أحمق كان اللعاب يتطاير من فمها إلى وجهه ، طنين في رأسه لا يسكت والوجوه ضاحكة خائفة. صاح: هذاَ دَيْن..، صفِع.

(4)

جلسَ في الصفّ الثاني محاولاً الاختباء عن كُل عين، شهر يناير قد حَل، درجات الحرارة المنخفضة تُظهر كُل عيبٍ بدني، يُخفي الزُرقة النابتة في وجهه، عابثاً في أصابعه المُقرّحة، يتلاعب بجِلده الجديد الذي تعرّف عليه بعد أن كُسِر ظفر سبابته، يتنفّس ويقترب من استفراغ الصفرة الباقية في جسده، يخمشُ رأسه في محاولة لإيداع كلمة واحدة من الكلمات الغريبة التي يرطن بها المُعلّم فهذه المرّة إن لم يتمكن من فَهم شيء قد يُسلخ جلده كاملاً ، بكى. ستبقى حِماراً ليتي نمت فوقَ وجهك صغيراً لتهلك، غفا. أفزعه الجَرس وصفعات تتوالى من كُل جانب أيقظته، صرخَ في وجوههم ابتعدوا إلا واحداً كان طويلاً ضعيفاً تحرّك بهدوء نحوه: لمَ لا تبكي؟. حَملقَ في صدره، صُفِع.

(5)

جلسَ في الصفّ الأوّل مُجدداً، مدّ سبّابته في محاولة للإجابة على السؤال، لم يشاهده المُعلّم، أجاب ذاك الجالس بالقرب من النافذة في الزاوية البعيدة، عاود المُحاولة وأجاب الجالس بالقرب منه بإجابة خاطئة، وقف على قدميه ليَحتج إلا أنّ المُعلّم لم يعره أيّ اهتمام، قُرِعَ الجرس مُجدداً ولم يتمكن من الإجابة على أيّ سؤال. على الطَاولة كُتبَ “يؤسفنا رحيلك”. تحسس وجهه لم تَعد الصفعة إلى مكانها.

قَرص وجهه ليستيقظ، لم يشعر.