لم أكن أنوي إلقاء أي نص من نصوصي إلى تلك المقبرة، لكنه دون قصدٍ مني جعلتها منسية، تركتها على مكتبي أو على المنضدة لفترة طويلة، لم أجعل لها ذكراً خالداً يُحيي كلماتها، لم أدعها تعبر عما يدور في خلدها، كنت أنانياً تجاهها، أكتبها بلا مشاعر وأحياناً أكتبها وعيناي تفيضان بالدمع، أكتبها خوفاً أو بؤساً من هذا العالم، لم نكن صحبة أبداً! ولم أكن على وفاق معها دائمًا، جعلت بعضاً منها مبتوراً والبعض الأخر مستهلكاً، لقد قتلتها بكليتي يدي، هناك نصوص نسيتها والأخرى قد تناسيتها والبعض حفظتها كنوع من أنواع الحزن الفائض، لم أعالج أخطاءها الإملائية ولم أَجد لها ناقداً أو مشجعاً يحثني على المزيد من الكتابة، لم أكرس وقتي لأدققها، كنت ساذجاً جدًا، أكتب وأكتب وأهجر جميع كلماتي دفعة واحدة، كنت أتصارع معها، أنزف ألماً ولم يكن بها روح.

استمر هذا النوع البائس من الكتابة عدة سنوات، مللت، ألقيت بها في سلة المهملات والأخرى دفعت بها إلى مقبرة النصوص المنسية، البعض منها لازالت كلماته طرية جدًا، قد غرست فيها كل الخيبات التي سكنتني، أودعت فيها الكثير من الألم، اشرأبت من دمعي الكثير، ومع هذا كانت نهايتها هذا الطريق، لم أبدُ لها صريحاً وواضحاً، كنت أفرغ ما في جعبتي من كلمات كي أهدأ وأنفض عن قلبي قلقه الدائم.

الحكايات التي لم أستطع البوح بها كان لها نصيباً من التجاهل ، لم أعقد عزماً على إتلافها بشكل واضح ولكن كل ما فعلته أنني جعلتها في طي النسيان ، طرحت بكل أدوات الكتابة أرضاً لم ألقِ لها أي اهتمام ، كنت فقط أحاول الكتابة بشكل أو بآخر لكنني اليوم وجدت طريقي في هذا العالم و سأفتح أول صفحات من ذكرياتي أو تجاربي ، سأولي اهتماماً كبيرًا  لكل ما أكتبه ، بل سأحاول إتقان فن الكتابة و التعرف على أدواتها و المشاركة في تمارين لتقوية عضلة الكتابة .
سأكرس جهدًا كبيرا لهذا الأمر ، سأخوض تجارب عديدة و سأمنح نفسي حرية التعبير ، لن أَكسر أجنحتها ولن أتخلى عن حلمها هذا !

كان ينبغي علّي المحافظة على هذه النصوص، أتقوى بها، أتكئ عليها، لكنها الكتابات الأسوء لي في عالم الكتابة، لكنني اليوم على مقربة من بدء كتابة نصوص أخرى أكثر حيوية، أكثر تقدماً واحترافاً في المعنى، يجب أن تكون كلماتها متماسكة، أكثر صلابة، مملوءة بالدهشة، تستولي على فكر القارئ، تستحوذ قلبه، تتغلغل في كيانه ومخيلته، تثير في رأسه عدة تساؤلات، (كيف؟ ولماذا؟)، أريده أن يقرأ ويقلب الصفحات، أريدها أن تكون مؤثرة.