١: يحب القارئ دوما أن يتعرف على الكاتب ويقترب من شخصيته، كيف تعرف الكاتب أحمد محمدي لجمهور القراء؟

كائن يرى العالم كعطش وعذاب، لا يدري متى سيقال له اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.

٢: متى بدأ سحر القراءة يجر الكاتب أحمد محمدي إلى عوالمه؟ وما هو أول ما قرأت؟ ولمن تقرأ؟

منذ تراكمت على الأسئلة، وصرت أستغيث بالعلم، وكم كان كريماً، يهب الحياة بعد أن تطلبه بجواب واحد، تبدأ مثلاً بمعرفة كيف تتطور المجتمعات، فيلفت انتباهك دور التعليم في تطوير الأمم، ثم تنتبه للفرق بين التعليم والتربية ثم تنتقل للبحث عن الفنون كوسيلة تربوية، ثم تدخل للشعر مثلاً وترى الشعر يتكون من علم البلاغة، ثم تأخذك البلاغة للقرآن وتستمر الانتقالات.

المهم أن يجد القارئ المراجع الأساسية للعلوم، لأن الباقي توسعة وشرح، فمثلا المرجع الأساسي للنظرية المتسيدة في تفسير إعجاز القرآن تجدها في دلائل الإعجاز للجرجاني، والمرجع الأساسي لفهم البنية الدرامية تجده في فن الشعر لأرسطو، والمرجع الأساسي لمعرفة طريقة العرب في نقد الشعر تجده في المقدمة الأدبية على ديوان الحماسة للمرزوقي، أما في شعر الحداثة فتجده في بنية لغة الشعر لجون كوين، إلخ ..

والمرحلة الثانية تكون في محاولة معرفة كيف فكر العالم في استنباط القواعد، وما الذي يجعل من فكرة ما يصلح أن نسميها ” قاعدة”.

٣: وما الذي يستفزك للكتابة؟

من الجانب العقلي هو المشاركة في إيصال الناس لغايتهم وكمالهم وفق خصائصهم الخيالية والانفعالية، لذلك كان مبحث الشعر ضمن اهتمامات المناطقة يقول الفارابي: “فالطرق الإقناعية والتخيلات إنما تستعمل في تعليم العامة وجمهور الأمم والمدن، أما طرق البراهين اليقينية فالخواص” – منقول بتصرف من كتاب تحصيل السعادة – وبذلك يعرف السر في تقسيم القسم المادي من علم المنطق إلى خمسة مباحث، أما من الجانب النفسي كي أتجاوز طبيعتي المادية إلى طبيعتي غير المادية.

٤: تجربتك الفنية في الإخراج والعمل المسرحي كيف تقيمها؟ وهل تعتقد بأن لونك الفني يصنع حضورا في ازدحام ما يقدم؟

كان يمكن الحديث عن كل ذلك ولكنها ولدت ميتة، لازلت أنتظر أن يبعث الله تعالى من في القبور.

٥: في مجموعتك الشعرية خمسة قطارات تصطدم نلاحظ ذلك المزج بين الحقيقة والخيال، أو لنقل أن الشاعر هنا يستطيع تقديم الحقيقة من خلال أكثر الأساليب فنية ودهشة، خصوصا وأن اللون الشعري هذا لون يتكئ على الرمزية ويجنح لدفق المخيلة، حدثنا عن تجربتك الشعرية.

القصة بدأت عندما لاحظت بأن سيرة النبي صلى الله عليه وآله مجهولة إلى حد كبير ، وأثناء اطلاعي على سيرته استوقفتني حادثة حنين الجذع ، وهي أن النبي كان يخطب على جذع شجرة فلما كثر الناس صنعوا منبرا للنبي حتى يشاهده الجميع ، فلما استوى عليه – المنبر – حنَّ ذلك الجذع حنين الثكلى ، فارتفع بكاء الناس وحنينهم وأنينهم ، وارتفع حنين الجذع وأنينه في حنين الناس وأنينهم ارتفاعاً بيناً ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك نزل عن المنبر وأتى الجذع فاحتضنه ومسح عليه يده وقال: أسكن فما تجاوزك رسول الله تهاوناً بك ولا استخفافاً بحرمتك ».
ومنها جاءت القصيدة وهكذا أدرجت مقتبسات من سيرته مع النص الشعري.

أما الرمزية فهي حالة يجد فيها الإنسان أن للظاهر باطنا ، وربما تكون هذه النظرة هي النظرة المشتركة عند جميع المؤمنين بوجود عالم غير هذا العالم المادي ، فإذا كان الرمز من طبيعته تكثر المعاني نجد هذه الخاصية تشترك مع الفكر الديني ، فكربلاء بالنسبة لصاحب الدين ليست أرضا ، بل هي رمز يجمع كل المعاني التي بحث عنها الإنسان , والحسين صار وارثا لجميع الأنبياء , (السلام عليك يا وراث صفوة الله …)

وهنا التفاتة ينقلها السيد هاشم البحراني في تفسير البرهان في المقدمة , الفصل الثالث : ” الأول ما استنبطه بعض محققي علمائنا من حديث المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام ، ولننقل خلاصة كلامه مع الحديث المذكور قال : إن أحكام الله تعالى إنما تجري على حقائق الكلية والمقامات النوعية فحيث ما خوطب قوم بخطاب ونسب إليهم فعل ، دخل في ذلك الخطاب وذلك الفعل عند العلماء أولي الألباب كل من كان من سنخ أولئك القوم وطينتهم ، فصفوة الله حيث ما خوطبوا بمكرمة أو نسبوا إلى أنفسهم مكرمة يشمل ذلك كل من كان من سنخهم وطينتهم من الأنبياء والأولياء .. “

فالمعترضون لإقامة العزاء الحسيني تبدأ مشكلتهم في أنهم يستخدمون منهج ظاهري لفهم قضية بنيتها رمزية متكثرة للمعاني، فيظن أن الاشتغال بالقضية الحسينية هو إهمال لغيره ومحض تعلق بالماضي، بينما المتأمل يدرك أن المعاني ما أن تنتقل من الماضي إلى الحاضر و” تعاش” ستكون من الحاضر.

٦: نتحدث عن روايتك الأولى: ديابلوس؟ لماذا تأخرت في تقديم فن الرواية للقراء، خصوصا وأن لك تجارب كتابية كبيرة، ولنقل: هل صار فن الرواية يلح عليك لتقدّم من خلاله ما تريد طرحه؟

أما سبب التأخير فالمتسيد في الساحة الثقافية والفنية هو نموذج رأسمالي ، يرى أن كمال الفنان بكسب المال ، وطريق الكسب يمر من خلال الشهرة + كسب رضا الناس ، ومع كثرة دور النشر وضعف التحصيل الثقافي والقيمي ، اكتسحت موجة الروايات والخواطر ، ولنجاح بعض التجارب صار الكثير من الكتاب الجدد يرون أن ركن نجاح يكمن في التسويق وصار نمط التسويق بدلا من أن يعتمد على العمق الثقافي وقوة البلاغة ، صار يرتكز على المنظر الخارجي ، كثرة الإعلانات ، الاستفزاز لأجل قضايا هامشية كالإثارة الجنسية مثلا ، ومن يريد الخروج عن هذا النمط ، يتبنى القضايا الاجتماعية والتنموية بأسلوب وعظي لسهولة الخوض فيها ، ومن الملاحظ أن حسابات هؤلاء تشكو من فراغ ثقافي مريع ، حتى أن صور ” القهوة ” يفوق أي قضية أخرى في الحساب !
لذلك كانت فكرة إصدار عمل أدبي في هذه الأجواء مثير للغثيان ، بالإضافة إلى تكلفة الطباعة والتخزين ،
والكتاب طبع من باب المصادفة فقط .

أما بداية كتابتها فقد جاءت من تساؤل، لماذا لم يسجد إبليس وخسر كل شيء؟ ورأيت أن القالب الروائي لامتيازه بأداة الوصف يمكنه استيعاب فكرة العمل.

٧: ديابلوس، لماذا اخترت عنوان الرواية من تراث المسيحية؟ لماذا لم تجعل العنوان مباشرا يعرف من خلاله القارئ العادي أن الرواية تتمحور حول إبليس؟

لا أظن بأن اسم ديابلوس من مصطلحات الديانة المسيحية، ما أتذكره بأن المفردة لاتينية، فهي مثل مفردة الشيطان – عربية – ويستخدمها من ينتسب للديانة الإسلامية لأنهم عرب.

وسبب اختيار المفردة عن غيرها للتميز بالعنوان أثناء البحث، فالعناوين مثل إبليس منتشرة، وعزازيل استخدمت أيضا برواية لاقت نجاحا، بالإضافة أن اللغة الفنية لغة إيحائية، تشبه حفلات التنكر، تشترط لاستكمال الإنسان التأثير على مشاعره، لذلك بقيت الأقنعة، والألغاز والإشارات والمنامات، محل اهتمام الإنسان.

٨: الرواية قُدّمت بفنية عالية، جاذبة ومدهشة، هل خططت لتقدمها بهذا اللون التجريبي؟ وشخصية ديابلوس تؤكد أن النقيض يوضح حقيقة النقيض، لقد أحب المتلقي ديابلوس ووجد فيه كل ما أردت – كناص – إيصاله، ثم دفعته لكرهه، هل شكلت الشخصية من المادة الروائية الموروثة والعقدية الصرفة أم كان هنالك اشتغال سردي وخيال خاص؟

الخطة تبدأ من استعداد ذهني، فالعملية الإبداعية تتوقف على عدة ممارسات عقلية، وربما أهمها ما يصنف في الأوليات بالتميز : ” ما بالذات وما بالعرض ” أي تميز ما بين الصفة التي يكون بها الشيء ” هو ” وما يعرض عليه من صفات يمكن تلاشيها ، لكن هذه الصفات العرضية قد تعمل في إدراك الإنسان بنحو ” تلقائي ” فيظن المرء بأنها صفة ذاتية ، من هنا يمكن أن نفهم أهمية الاطلاع على تاريخ فن ما ,، لأنها تساهم على تميز الذاتيات والعرضيات.
ولكن ما الأسباب المؤثرة بجعل فكرة ما تلقائية في الوسط الثقافي والفني ؟

المشهورات = فكرة يؤمن بها الشخص لكثرة من يؤمن فيها بمحيطه.

مقبولات = فكرة يؤمن بها الشخص لأنه أخذها من ثقة.

وهميات = مدى قدرة الإنسان على التخيل وبماذا ينصرف ذهنه.

الانفعالات = ما انزياح الشخص لفكرة ما أو نفوره منها.

لماذا بعض الكتاب المبتدئين يصر على ذكر تفاصيل جنسية في روايته؟ لأنه رأى فلان الكاتب الذي يثق فيه يفعل ذلك بروايته؟

لماذا يردد الجميع بأن الفن رسالة؟ لأنهم يرون غيرهم يقولون ذلك.

ويمكن لمثال عن البحث عن الذاتيات والعرضيات الاطلاع على تجربة جيرزي غروتفسيكي بالمسرح الفقير
ولمثال على الجمود على التلقائيات الاطلاع على تجارب ما يسمى بالمسرح الإسلامي والفن التشكيلي الإسلامي، كيف تحولت لإنتاجات ” حشوية “، تعتقد أن العمل الفني الإسلامي = تجسيد أهل البيت عليهم السلام وأن التجسيد يجب أن يكون بشكل كلاسيكي وتاريخي، فلا يتبادر لذهنه المدارس الفنية الأخرى أو القضايا الأخرى، ألم يحث الإسلام على الصدق مثلا؟ على حرمة الإجهاض والانتحار مثلا؟ لماذا لا تصنف الإنتاج بهذا الاتجاه بأنه عمل إسلامي؟ للأسباب التي ذكرناها.

وبعد أن يدرك الفنان هذه الإجراءات التحليلية التي من خلالها يستطيع تميز ” تلقائيته ” والافتراضات التي تدور في ذهنه، يمكن الحديث بعدها عن التجريب وخياراته.

وبعد ذلك تأتي قاعدة الغائية، بماذا تريد أن تقول في العمل وماهي الوسيلة لذلك؟

ثم تأتي مرحلة المصادر الثقافية والمفاهيم الفنية: –

فمثلا من المصادر الآية في أول الكتاب واختيارها كان حصيلة اطلاع على أربعة مصادر، ثلاثة منها كتب.
والفصل الأول استلهمت بعض أجزائه من دراسة اجتماعية ومن التراث الأدبي الصوفي.

ومن المفاهيم الفنية: مفهوم التناظر، فهو حاضر في الكون والفنون، ولا أدري إذا لاحظ البعض بأن صرخات ديابلوس كانت في نهاية الفصل الأول ونهاية الفصل الثاني ونهاية الفصل الأخير، والصرخة مستوحاة من حديث ينقل بأن لإبليس عدة رنات أي صرخات.

٩: ديابلوس هو العمل الأول الذي تخرج به من النشر الافتراضي لعالم النشر الورقي، كيف تقيّم تلك التجربة؟

الكثير من هذه الدور لا تخرج عن النموذج الرأسمالي، لذلك نراها تحتضن حتى ” الفاشنيستات ” فما علاقة المكياج والأزياء بالصنعة الأدبية؟

١٠: هل سنقرأ الكاتب أحمد محمدي في عمل روائي آخر؟

ربما. إن لم تهزمني كآبتي.