المعلمة : مِس سعاد

تصفحت أوراق الطلبة سريعًا، فوجدت عنوانًا غرائبيًا، الفتى ذو الرأس الكبير.
رفعت الورقة ووضعتها فوق رزمة الأوراق لأبدأ بالتهام حروفها قبل غيرها، كنتُ متحفزة جدًا حتّى أنني التهيت عن شرب فنجان قهوتي السوداء التي صنعتها توًا باعتلاقٍ شديد، قررّت أن يكون هذا النّص فاتحة سلسلة قراءاتي.
منذ النظرة الأولى أدركتُ أنني أمام نص منفرد غير تلك النصوص المكررة، غصت في عمقه، حكايته دفعتني للتيه في تلك العوالم الخيالية لمخيلته، كانت مدهشة ومثيرة بالفعل شغلتني عن رنين الجرس الذي لم أشعر به.
***
كان بدر طالبًا حصيفًا، يحضر للمدرسة كل يوم بجذل باذخ يطفح بمحياه الطلق وثغره الباسم، كنت أتوسّم فيه طفلاً لا نِدّ له، وقد كشف تعبيره الكتابي عن ما يضمره في باطنه، مَن يقرأ حكايته يجد نفسه أمام موهبة سرد حكايات فانتازية فاتنة. قرّرت أن أتحدث إليه وأشجعه على قصته المبهرة.
***
في صبيحة يوم الأحد من كانون الثاني دخلتُ إلى الفصل الدراسي ونظرتُ إلى الوجوه متصفحة،  بدا بدرٌ مغايرًا بمشهد لم أكن أعرفه به من قبل، كان حزينًا واضعًا رسغه الأيمن على الطاولة مثبتاً ساعده بشكل زاوية قائمة، ومسندًا خده على راحة يده، نظراته عائمة ، توجهتُ نحوه وبنبرة محفزة  وأنا أفرّق نظراتي على التلاميذ أجمع.
–  لقد كتب زميلكم بدر تعبيرًا بديعًا أسرني بخياله.
– لا، لم يكن خيالاً أبدًا أبدًا أبدًا ( مكررًا كلمة أبدًا بصوت مرتفع بعض الشيء إلاَّ أن الهمزة الأخيرة تآكلت وسط نشيجه وغابت في فقاعة الدموع).
رميته بنظرة من فوق نظارتي، وسط ذهولٍ جارف تدثرت الحروف ، رحت أمسدَّ فروة رأسه، وأنا أتحسس شعره النابت توًا.
– ليست خيالاً؟! ولكنك لا تملك رأسًا كبيرًا يا بدر!
– لماذا لا أحد يصدقني، أنا أرى رأسي كبيرًا بالنسبة لجسمي ، أكبر بكثير صدقيني يا ( مِس سعاد).
ذهل الأولاد والبنات في الفصل، بينما أخذ البعض يهزأ به، لقد جُنَّ بدر ( ها ها ها ها).
ضربتُ على الطاولة بكفي ليتوقفوا عن الضحك والسخرية. بينما وضع بدر ذراعيه على الطاولة ودفن رأسه فيهما.
****
حينما عدت لمكتبي، بحثت عن رقم والدته ، ضغطتُ على زر الاتصال.
– مساء الخير، أهلاً ….
– مساء النور، أنا مِس سعاد، معلّمة بدر.
– تفضلي، ماذا تريدين؟ ( سألتني بنبرة قلق أكثر من كونها نبرة استفهام) ثم أردفت ( خير، هل أصيب بدر بشيء؟)
– مهلاً.. على رسلك، بدر بخير، ولكن حينما طلبت منهم كتابة تعبير يعبرون به عن أنفسهم، جاء تعبيره مغايرًا عن أقرانه، ذكر أنه طفل يعاني من صداع في رأسه، و أحايين كثيرة يرى أن  رأسه أصبح كبيرًا بالنسبة لحجم جسمه ويهرع مفصحاً لأخته فتضحك عليه وتنهره.
– ربما كل هذه الحكاية هذيان، ما الذي يدفعكِ لتصديقه؟
– لأنني لمست تغيرًا واضحًا في سلوكه، أخذ يبكي هذا اليوم حينما أخبرته أنه يجيد صناعة الحكايا الخيالية، تصرفه كان يدل على أنه يشعر بهذا الأمر فعلاً،  دعيني أبين لكِ بقية التفاصيل الواردة، قال أن لديه لعبة (سبايدر مان) بعض الأحيان يرى أن اللعبة أصبحت مسطحة، تختفي أبعادها.
– لا تكترثي له إنه يهذي، وإنّي أظنّ أن هذا ناتج من مخيلته الممتلئة بقصص الرسوم المتحركة، صدقيني يا مِس سعاد هذا كله ناتج من مقاطع الفيديو التي يشاهدها في اليوتيوب، ولدي يجيد الثرثرة.
– وهل أنتِ متأكدة من ذلك يا أم بدر؟!
– تمامًا، فكل هذه الحكاية مختلقة ولا ترقى لتصديق العقل.
****

بدر

المرّة الأولى التي أصابني بها الصداع، ذهبت إلى غرفة والدتي في منتصف الليل، وحينما فتحت الباب وجدتها صغيرة جدًا كدمية، وكان والدي قزمًا أيضًا، بل كل شيء أصبح بنظري صغيرًا.
أخبرت والدتي فقالت بأن هذا ناتج من تأثير الصداع، أعطتني دواء ونمت.
ولكن في الصباح، وحينما عادت نوبات الصداع تصيبني كنت أخبر أختي ريم  بأنني أشعر بارتفاع غير متناسب، وأني أرى الكرسي صغيرًا وأنا أفوقه بالحجم مرّاتاً عديدة، الوجوه ممتدة طوليًا في بعض الأحيان.
أصبحت لا أستطيع التحكم في المسافات بدقة، وطالما وُبِخت فأنا غالبًا ما أتحرك بشكل خاطىء.
لذلك كان السير صعبًا،  بدأ عبور الطريق يشعرني بالخطر. عندما أرى سيارة قادمة، لا أستطيع أن أكوّن أية فكرة عن حجمها، أو بعدها.
كنت أذهب أسفل السدرة الموجودة عند منزلنا وأبكي، لا أحد يفهمني، أصدقائي ينفرون مني، الجميع يعتبرني صانع حكايا، كان هذا مؤلمًا جدًا.
مما لا شك فيه أن هذا الأمر جعل حياتي أكثر تحديًا، ولكن هناك جزءٌ منه منحني استمتاعًا حقيقيًا ،  ففي بعض الأحيان، خاصة بعد الاستيقاظ بفترة وجيزة ، كنت أشعر بنوع من الرؤية الثاقبة كتلسكوب، عندما أكون مستلقيًا على السرير، أجد نفسي أحدق بعيداً خلف النافذة، أشاهد الغربان تحلق فوق الأشجار على بعد مئة متر، وأنا قادر على رؤية التفاصيل حول كل طائر وشجرة كما لو كانت في ذراعي .
حينما اتصلت مِس سعاد بوالدتي لم تقتنع بالأمر، حتّى جاء ذلك اليوم الذي كانت فيه أختي تشاهد فيلمًا على قناة الـ BBC لفتاة تعاني من الأعراض ذاتها وتبين أنها مصابة بمتلازمة أليس في بلاد العجائب،  ذهلت والدتي وجاءت تعانقني وهي تبكي وأنا أضحك ساخرًا ، أجدها كقلادة معلّقة على صدري وأنا أضخم منها بكثير.