اللوحة للفنان: علي النخيفي

وأخرجتُ رأسي لأَقطُنَ فِيه!

 

فِي الكهفِ
كهف الولادةِ!
كنتُ وحيدًا

أُحَدِّثُ مَائِي عنِ الروحِ
عنْ جَسَدِي
عنْ عِلَاقَتِنا فِي النّشوءِ
وعنْ دهشةِ البدءِ

لكنَّهم أَخْرَجُوني مِنَ الكهفِ
كُلُّ الوُجُوهِ تُحَدِّقُ فيَّ..

لَقَدْ أَفْزَعُونِي بِهذِي الكَثَافةِ
إذ فاجئوني بفكرةِ أنْ أَتَنَفَّسَ هَذَا الهَواءَ
وفِكرةَ أنْ ألبسَ الخوفَ 
كي لا أُرى عاريًا

فاجئوني بِصَوتيَ
لمَّا صَرَخْتُ..

تَفَقَّدْتُ رَأْسِيَ كَي أَطْمَئِنَّ عَلى الذَّاتِ
ثُمَّ تَوَهَّمتُ أنَّي فَرَرَتُ..

أَعَدْتُ تَفَقُّدَ رَأْسِي
ولَكنني لم أجدْهُ

لقدْ عبئوه بتلكَ الصخورِ
أعدُّوا طريقًا من العينِ للعينِ

قالُوا: “هلمُّوا لنَعْبرَ منْ بينهنَّ
ونَبني لهُ الذهنَ
نَشْحَن فيهِ الخَيالَ
ونَسلب فطرتَهُ
نَسْرَق الطِّفلَ مِنْهُ”

فَهَمُّوا سَريعًا إلى البدءِ
جاءوا بَأطنَابِهم
دَخَلُوا كالهَوَاء
اسْتَقرُوا
ومذْ هيّئوا مِعْوَلَ الشَّكِّ
راحُوا ليَبنُوا الطَّرِيقَ
ولكنَّهم لمْ يَظَلُّوا طَوِيلاً
وسُرعَانَ مَا خَرَجُوا خَائِفينَ
مِنَ الثَّغْرِ كالبوحِ
فالرأسُ أغمضَ أجفانَهُ!

ثمَّ عادوا.. ليرمُوهُ فِي البَحرِ
ينزل للعمقِ
يندكّ في الملحِ
يَنْسَى اسْمَهُ والصفاتِ

ولَكنني قدْ فززتُ..
وجئتُ سريعاً
وأمسكتُ رأسي
فررتُ!
تَفَقَّدْتُهُ
كي أَرَى هَلْ أَنَا هُو!؟
كانَ ثقيلاً..
فَأَفْرَغتُهُ..
قلتُ: منْ أينَ جاءوا بِهَذِي الصُّخورِ
فقالَ: من النفسِ يا جسدي!

ثمَّ خبَّأتُهُ في الحقيبةِ
أَسْرَعْتُ..
كي لاَ يَحُلَّ الظلامُ
بحثتُ عن الكهفِ لكنَّني لم أجدْهُ..

فَسَادَ الظَّلَامُ
“وأخرجتُ رأسي لأقطنَ فيهِ!”

دخلتُ..
هدوءٌ
ولا ضوءَ إلا الذي قد تسرَّبَ منْ فَتْحَةِ العَينِ 
مَشَيتُ
مَشَيتُ..
رَأَيتُ 
جدارًا
ونافذةً لا تُطِلُّ عَلَى شَيء
شَمَمْتُ الغُمُوضَ
ورائحةَ البنّ 
بحثتُ عنِ الماءِ
مائِي الذي كُنْتُ أُخبِرهُ عنْ غَدِي

ورأيتُ ظلالاً
سَمَعْتُ خُطىً..
فاختبأتُ وراءَ الجدارِ
لمحتُ فتاةً
فتاة تُطِيلُ الوقوفَ..
وتَمْشِي عَلَى قَدَمَينِ أَحدّ منَ الموتِ
فاتنةً
تَقْتَفِي الوَهْمَ
فِي يَدِهِا سَلَّةٌ منْ حَصِيرِ الشُّعورِ
تقرَّبتُ مِنها ولم تنتبهْ
ووضعتُ يَدِي فَوقَ أكتافها
فاعتراها الذهولُ
تساءَلتُ: من أنتِ؟
قالَتْ: أنا الذاكرة!!!

بَكَتْ ثمَّ خرت بحضني 
وصاحَتْ: أنا ذاتُك الشَّاعِرَة!

فأمسكتُها من يديها
وهرولتُ..
حتى خرجنا من الرأسِ!

شدَّتْ يدي وانعطفنا إلى الظلِّ 
ثم وقفنا هناكَ
قبضتُ الترابَ
حفرتُ..
حفرتُ
وحينَ انتهيتُ من الحَفْرِ
أودعت في الحفرةِ الرأسَ!
أَلْقَتْ بِسلَّتِها
ونَفَضْنا التُّرابَ
مَسَكتُ يَدَيْهَا
مَشَيْنَا..
لنُكمِلَ رِحلَتَنا فِي اكْتِشَافِ العَدَمْ.

أحمد الرويعي

14 ديسمبر 2018

6 ربيع الثاني 1440

ذكرى خروجي من الكهف