“بالقربِ من الشاطئ رأيتُ رجلاً يتدلى بسلاسل حديديّة من عارضة ضخمة نُصبت في الرمال الرطبة ، تحيطه ثلاثة كِلاب مُربّطة بحبال ممزّقة ، سألتُ الرجل حامل السلاح حول ماهيّة هذا الأمر ، هل هوَ طقسٌ من طقوس “التضحية” أم ماذا؟ فلمْ يُجب وأشار لي بالابتعاد قليلاً والانتظار.

تنحيت عن تلك البقعة حاولت الوقوف في مكانٍ قريب لأرى ماذا سيحصل، لكن الكلاب بدأت بالنُباح بأعلى صوت، بدأت بتمزيق الأرض، في محاولة للتخلّص من الحبال، بدأت بغرس أنيابها بالحبال، تحررت .. مُسرعة ناحية الرَجل المُعلّق، لم يتحرّك، رفع عينيه وابتسم، بدأت بنهشِه فصاح: اللعنة على .. دوّى صوت طَلقةٍ أخمدت صَوته.”

لم تكن الفقرة السابقة خيالاً ، إنما هيَ قصّة قصيرة مستوحاة من مظاهر التعذيب والقتل في أوربا سابقاً وتحديداً في ألمانيا وانكلترا، لكن الصياغة جعلت منه نصاً قابلاً للقراءة والمُعايشة دون الاقتراب فعلياً من “السلاح” أو “الكلاب” أو حتّى من كَان سيُلعن في نهاية الأمر. لكل هذه الأمور وأكثر أجدني ميّالاً ناحية الأدب، فهذا اللون من القراءة قريب جداً من الحياة البشرية، بل مُتداخل بشكل مُخيف هوَ يقلب الأفكار المُجرّدة لتكون قيدَ التجربة الحقيقية التي يتفاعل معها الإنسان، هل تُريد مشاهدة نمط من أنماط الأدب التي تتفاعل معها دون الإحساس بشيء، هل سمعت اليوم قصّة شخص يعيش بالقرب منك؟ هوَ يقتطع الجانب المُمل ليصنع حكاية قابلة للسرد على مسمعك، هوَ يُشكّل مادّة مشوّقة في قالب حكائي.

كُل نصٍ أدبي تمكن من إدهاشي هوَ نص تمكن من زعزعة أمرٍ ما في فِكري أو في قلبي، ليست الحِكاية هيَ ما يثير دهشتي الآن، بل كيف تمكن الناص من سردها في قالبها، مُخيفة قُدرة الكُتّاب على إخفاء أفكارهم الفلسفية -التي تُشكَّل تحت ضَغطٍ وكبحٍ شديدين للصوت الذاتي الشعوري- قدرتهم هذه تجعلهم يمررون كُل هذه الأفكار التي تتكوّن في مكانٍ بعيدٍ جداً عن صوت العاطفة لتكون حاضرة في شكل مواقف وحوارات وخيالات تحرّكنا وتزلزلنا بشكل غير مفهوم في الغالب، كما أنّ هؤلاء الكُتّاب لا يهتمّون بالعوائق التي تظهر أمامهم فهُم من يصنعها وهُم كذلك من يَجِد الحلول الخاصّة التي يمكنها أن تكوّن طريقاً جديداً من العقبات، فما هيَ الحياة سوى مصاعب نتجاوزها الواحدة تلوَ الأخرى.

سيبقى الأدب منارةً للباحثين عن الحقيقة، فهوَ سبيل من السُبل التي تحاول البحث عنها ونشرها للبشر، هل عاينت طفلاً يموت من الجوع في يومٍ ما؟ جرّب الكِتابة عن شعوره عن إحساسه بلغته، ستجد ذاتك تتشظّى وستبدأ بالإحساس بذلك الشعور الحارق الذي يجعلك تستفرغ كُل ما أكلت خلال الساعات الماضية، لأنّ حقيقة الموت مُخيفة إذا ما وصلت إلينا جوعاً أو عطشاً.

لستُ سوى قارئ يبحث عن لُغة أخرى يُخاطب بها عقله.