أهلا بك..

بالطبع أخاطبك أنت أيها الطارئ الثقيل، المقيت، المنسي.. فلا تتلفت وتقنعني بأنك تجهل انتظاري لك منذ زمن. حسنا فلنتفق أننا لم نكن في شغف للقاء، ربما بالنسبة لك على الأقل، أو فلنقل.. لكلينا، لكن ها أنت تراني اليوم، في كامل هدوئي، أنتزع منك اعترافا بحسن الضيافة وكياسة الرفقة التي لا أعلم مداها.

تعال اقترب أكثر فأنا لا أحب المراوغات، ولا أريد أن أتخبط في قاع الحيرة، فإما أن تواجهني كاملا أو تنسحب تماما، أو تعلم.. لقد غيرت رأيي، الحقيقة أن استئذانك هذا لائق جدا.. فهو يهيئني لإعداد حاجياتي وإنهاء الأمور المشرعة، أو ربما تجاهل بعضها.

عندما أخبروني بموعد حضورك المحتمل، تركتهم بابتسامة وذهبت للتسوق، فتحت رسالة زوجتي: بيض خس جزر حليب، عصير سنفور للأطفال، ملأت العربة، أخذت كلّ ما طُلب، حتى الحلوى.. لن أمتعض اليوم أبدا من تقديمها للصغار، المقرمشات، الكعك…سأكون مطيعا وأشتري كل شيء، وأقدم عربة السيدة المنهكة أمامي عند المحصل وأعطي العامل الطيب دينارا بابتسامة.. ألا يحق لي أن أعبر عن فرحي بقدومك؟!

لن أصدق بأني أدهشك، فحفاوتي بك معقولة جدا ولا تكاد تقارن بمن تعرفهم من عشاقك الحقيقيين، أولئك الذين اختبرت لهفتهم عليك وسُكونهم إليك..

ربما أنت تستغرب هذا الاستقبال من مثلي، فلست – بأي حال – أشبههم، كأنك تقول في سرك: هذا المسكين يتشبه بأهلي وأصحابي! حسنا لن أقوِّلك ما لم تقله، ولن أنفق لقاءنا في التكهنات المتشككة، لكني أستطيع أن ألمس حيرتك بي، أو ربما هي حيرتي بنفسي.

تدري.. أنا متحير قليلا، فكيف لي أن أهون حضورك لهذه الدرجة؟ فأعود إلى البيت و أمارس يومياتي بثبات، أرتمي في غفوتي ثم أطلب شاي العصر، و أحضر مهام العمل، و أمتنع عن مشاركة ولدي في لُعبة ” السوني ” فأنا أصلا أحجم عن ذلك كل يوم، بل و أطمئن إلى تشكيلة يومي، حتى أني لا أنهر زوجتي على تبضعها الأخير و إسرافها الكبير في شراء ثياب الصغار و الكبار، و تغييرها لمفارش الطاولات، و أطقم الأواني، و ربما الستائر التي لا ألحظ الفروقات بينها، و لا أقول لها لو أنها استبدلت التسوق باللعب مع الصغار لكان أجدى، لكن الشيء الجيد أني لم أجزع و أنت تحل بيننا ضيفا صامتا، و لم آسى و أنا أنظر لوجوه أطفالي مستذكرا الفراق.. فلوهلة شعرت أني لا أنتمي إليهم !

على رسلك، لستُ بهذه القسوة، لكن دعني أخبرك شيئا بما أننا أصبحنا على هذه المقربة:

الحقيقة أني أحسست بك طيلة العقود الأربعة، قريبا وشيكا، كنت طاغيَ الحضور عندي على رغم التهائي بتفاصيل الأيام، حتى أني في مراهقتي قمت بعمل غبي جدا، ساذج وبريء، حيث فكرت أن أستدعيك، لا تسألني عن السبب، فلم أكن بائسا أو يائسا أو مضطهدا.. كنت فقط شغوفا بسحرك وعالمك الغيبي، لماذا؟ لا أدري…!

لم تكن تخيفني..

كنت أنتظر ابن عمي في موعد للعب كرة القدم، ارتديت ثيابي الرياضية، وبخخت العطر، ثم بلا تفكير هبطت إلى غرفة الضيوف، كان البيت يطفو بالهدوء، أغلقت الأضواء، فكرت بك، وأنا أردد ماذا لو جئت الآن؟

حبست أنفاسي، أغمضت عيني.. انتشر السكون على جلدي .. لكن صوت منبه سيارة ابن عمي سبقك إلي، فنفضت رأسي و هرعت إليه و كأن شيئا لم يكن.

اليوم أنت تأتيني دون اختيار، وأنا أجد نفسي بعد كل هذه العلائق والمسؤوليات غير مرحِّب تماما بك، بل ربما الآن وبعد التفكير صرت مستوحشا قليلا.

تمهل لم أغير رأيي، لم تزل….

لا بل غيرت رأيي فعلا، وقد ظفرتَ يا صاحبي، لقد بسطت سطوتك في أنحائي، وبدأت فعلا أشعر بأولى عتبات الرعب، وصارت الأسئلة الآن تقضم رأسي ببطء، أية أسئلة؟ عن مآلي طبعا و… عيالي!

الآن سأطلب منك أن ترحل، فأنا أُسقط كل نداءاتي الفالتة، وإن لم تفعل فسأقاومك بكل همة، لدي أسلحة تعرف أنها تجدي نفعا، وإن لم تجدي فسأبحث عن غيرها..

لم تصمت؟

أين ذهبت؟