هكذا تُروى النكتة عادة “يُحكى أن بريطانياً وفرنسياً وألمانياً وإيطالياً صادف أن ذهبوا في وقت واحد إلى أحد المقاهي المختصة ببيع القهوة، والتي تعرف اليوم بـ”الكافيه” (Café). عندما وصل البريطاني لمكان الطلب، قال: أعطني قهوة سوداء من فضلك ، وانتظر إلى حين إعدادها، ثم جاء الفرنسي وقال: أعطني قهوة لاتيه من فضلك ، وانتظر هو الآخر كذلك ، ثم جاء الألماني وقال: أعطني كابتشينو بحليب قليل الدسم من فضلك ، ووقف ينتظر مشغولاً بجريدته الصباحية ، ثم جاء الإيطالي يمشي بمرح بشعره الجميل ونظارته الشمسية وعلى إحدى أذنيه حلقة فضية وقال: “صباح الخير! كيف يومك؟! أعطني من فضلك” وبدأ يتكلم بسرعة ويداه تتحدثان معه “قهوة من البن الأفريقي، صنف البوربون، مطحونة على درجة ٧.٥، محمصة تحميصاً داكناً، وأضف إليها شيئاً من الحليب قليل الدسم، مغلي على البخار على درجة ١٨٠، منزوع منه الرغوة. وأضف إليه قليلاً من نكهة جوزة الطيب الإندونيسية من جزر الباندا، وأقل من ١٠ غرام من الزنجبيل الهندي المطحون” . . يقف البائع فاغر الفيه، ويقف أمامه كل من البريطاني والفرنسي والألماني وهم ينظرون إلى الإيطالي ويتبادلون النظرات فيما بينهم ، وقبل أن يذهب الإيطالي إلى مكان الانتظار يلتفت قائلاً للبائع :”نسيت أن أقول لك بإن ترشّ سطح الكوب بالدارسين على شكل قلب الحب، فأنا على موعد مع حبيبتي!” ويمضي ماشياً على سجيته!

(١)

لا أزال أتذكر المرة الأولى التي تعرفت فيها على عالم القهوة خارج نطاق المستحضرات السريعة أو القهوة التركية التي اعتدت شربها في سوريا لفترة طويلة ، كانت تلك المرة عندما كنت أدرس اللغة الإنكليزية في مدينة كامبرج التعليمية البريطانية عام ٢٠٠٩م ، وتحديداً في جامعة أنغليا رسكن (Anglia Ruskin University)، وذلك بعد أن قررت ترك الكليات ومراكز اللغة التجارية؛ خصوصاً تلك التي تقع في شارع الطاحونة (Mill Road) ي جنوب شرق مركز المدينة، حيث عشت معها، كما عاش كثير من الطلبة مرارة التجارية في تعليم اللغة ، لكن في جامعة أنغليا كان التعليم متميزاً في مستواه وفي طلبته وخدماته ، هنالك تصادقت مع شخص إيطالي، يُدعى ماتييو (Matteo) كان الصف الدراسي يجمعنا ، وكعادة الإيطاليين فإنهم بطبيعتهم المرحة وروحهم الخفيفة إذا ما تواجدوا في مكان ما فإنهم يكونون نجومه، يتجاوزون حدود الأعراق والقوميات بسرعة، ويدخلون إلى قلوب الآخرين بظرافتهم، ولكنتهم المميزة.

كنّا في وقت الاستراحة نذهب للـ”كافيه” لاستعادة قوانا العقلية من خلال مشروب ساخن في أجواء باردة ، وكنت على مدى أسبوعين أعيد تكرار طلبي بقهوة سوداء، لأن هذه حدود معرفتي وغايتي في عالم القهوة، متخيلاً أنها منتهى الطعم الممكن، أو أنها الأفضل على الرغم من وجود قائمة واسعة من الأصناف، لكنني لم أكن أمتلك شجاعة الإقدام على تجربة جديدة، وأحياناً أطفئ في داخلي غريزة الفضول الفطرية ، وأراني كسولاً عن السعي لمعرفة المزيد من أنواع القهوة ، والحقيقة أني لم أكن أتجنب ذلك كله لعصبية عرقية أو حضارية ، كما يفعل البعض ظنا أن ما ينتمون إليه بالضرورة صحيح في كل شيء ، لكنه خليط هذه الأمور كلها، فما عساني أريد من القهوة غير الطعم المرّ، وشيء من انتعاش الكافيين ، هكذا كان الجهل والجبن والكسل يقعدوني عن اقتحام الجديد ، هكذا كنت إلى أن شاءت الأقدار أن يكون أمامي في صف الانتظار ماتييو الطالب الإيطالي، وقد رأيته في المرات السابقة يطيل في الطلب، ثم يطيل عند طاولة تحضير القهوة، وأرى الطلبة الآخرين يحيطون به ، فانتهزت الفرصة، وقلت له: ما رأيك أن تطلب لي اليوم قهوة على مزاجك الرائق، وأنت الذي دائماً رائق المزاج!

تشقق وجهه بابتسامة الظافر، وجحظت عيناه بنظرة البارع، وقال بصوت حاد: على الرحب والسعة (بلكنة إيطالية).

ومنذ ذلك اليوم، وإلى الآن، والقهوة في حياتي ليست كما كانت ، بدأت أتذوق المرّ لذيذاً، وأستطيب رائحة البنّ عبقاً، واستمرئ الخلطات المنوّعة سهلاً سائغاً ، وإذا ما أراد أحد عقابي، فما عليه إلا أنّ يمنع عني القهوة!

(٢)

كان ذلك حينما كان تحضير القهوة في المنزل يتطلب احترافاً عالياً أو كلفة غالية ، لكن شركات تصنيع القهوة، ومعها محلات بيع القهوة (الكافيهات)، أدركت ولأغراض تسويقية وربحية، كما أدركت ذلك أغلب القطاعات الربحية التجارية، ضرورة إشراك المستهلك في السلعة، ليزداد شراؤه ويقوى تعلقه في المنتج أيضاً ، لذلك، تجد نفسك اليوم أنّك أنت من يحجز ليس تذكرة الطائرة فحسب، بل والمقعد ونوع الأكل، ثم أنت من يقوم بعمل الشيك إن (Check-in) وإصدار البوردينغ (Boarding)، وتجميع نقاط السفر ، كما أنك من يقوم بتركيب الجهاز الجديد الذي تشتريه، وتقوم كذلك بإعداداته . . وهكذا فأنت – تشعر – أنّك شريك في جوهر السلعة إلى الدرجة التي ترعاها كما ترعى نفسك من شدّة الاندماج.

وبمجرد ظهور أولى صانعات القهوة المنزلية انفجر السوق عن أنواع كثيرة، بمواصفات مختلفة، تحقق أغراض متعددة، تلبي حاجات منوعة ، فهناك التي تقوم بمجرد إعداد المكون الأساسي لجميع أنواع القهوات ، أيّ الإسبرسو منفردة (single) أو مضاعفة (double)، وهناك التي تقوم بإعداد الحليب، الشريك الأساسي في أغلب أنواع القهوة، لكن من صانعات القهوة ما لا تستطيع صناعة الرغوة، وتكتفي فقط بتسخين الحليب، وأخرى قادرة على صناعة الرغوة بعدة طبقات ، وبعضها قادرة على طحن القهوة الطازجة، والقيام بإعداد مختلف الأشكال ، وبعضها سهل النقل والتركيب بل بعضها أساساً متنقل يعمل على الشواحن الكهربائية التي تعمل عليها الهواتف المتنقلة.

لكن السعة في الخيارات لا تتوقف عند هذا الحدّ، بل التفاوت في الأسعار بكثرة بحيث تجعل عملية الاختيار تزداد صعوبة، وذلك أنّ في اختيار نوع صانعة القهوة بمميزاتها يتحرك جانب “الأخذ” من غرائز الإنسان بمختلف تموجاته من أجل “إشباع الرضا”، لكن عند ملاحظة الأسعار فإنّ جانب “العطاء والخسارة” هو ما يضغط عليه لجبران حالة “الفقد” ، وبين الأخذ أو الربح والعطاء أو الخسارة مع تنوع الخيارات يتشكل دهليز أمام حسن قرار الإنسان ، ولكن ما عساه أن يفعل؟! فقد بات الإنسان اليوم أمام خيارات واسعة يحار فيما بينها، ليس في شراء صانعة القهوة فحسب بل في أغلب شؤون حياته!

وهنا تحديداً، وعند هذه اللحظة، يكون الإنسان بين “عقلانية” أو “لا عقلانية” الاختيار . . بل وربما – حسب ما يراه البعض – يكون “مسلوب” الاختيار!

مرة أخرى ومن إيطاليا، لكنها هذه المرة من أطراف الشمال الإيطالي، تروى قصة أصبحت بعد ذلك أيقونة ونموذجاً في العلوم النفسية وعلوم اتخاذ القرار لدراسة “عقلانية الاختيار الإنساني”، وهي قصة “عبور نهر روبيكوني“. والتي كانت نقطة فارقة في التاريخ بدأت فيها الحرب الأهلية الرومانية، وعلى أثرها تحولت الجمهورية الرومانية إلى إمبراطورية يحكمها قيصر الدكتاتور ، تروى الحكاية في العام ٤٩ قبل الميلاد، حينما أرسلت الجمهورية الرومانية أحد أعظم قادتها العسكريين والسياسيين؛ غايوس قيصر (١٠٠ – ٤٤ قبل الميلاد) إلى أطراف بلاد الغال ضمن غزواتها التوسعية، لكن مجلس الشيوخ الروماني كان قد فرض على كافة القادة العسكريين عدم عبور نهر روبيكوني الذي يفصل الجمهورية الرومانية عن إيطاليا، وهو يقع على شمالها ، لكن قيصر بطموحاته التي تفوق الخيال، وعلى الرغم من صغر حجم الفيلق الثالث عشر الذي كانه معه “اختار”، أو هكذا يبدو أنه اختار، العبور ، وجميع الذين كانوا حوله من القادة والسياسيين قالوا أنّه وبعد “حسابات” مجهدة لمعادلات الربح والخسارة في العبور أطلق كلمته التي تحولت إلى أيقونة “The die is cast” ي “إلى الموت الذي لا بد منه” أو “قد خط القلم وجف الحبر”، وهي تعبير عميق عن قرار “لا عقلاني” بعد إرهاق “حساب” نتائج فعل معين. وعلى الرغم من أنّ نتيجة هذا القرار “اللا عقلاني” كانت في صالح قصير دنيوياً، ولصالح روما كذلك، إلا أنّ المهم بالنسبة لعلماء النفس وعلماء اتخاذ القرار هو دراسة: ما الذي يجعل قرار الإنسان يخور ويُنهك إلى الحين الذي يقدم على فعل بطريقة “خطّ القلم وجف الحبر”؟

هذا ما دعا مجموعة من علماء النفس في جامعة كولمبيا في الولايات المتحدة الأمريكية يرأسهم جونيثان ليفاف لإقامة تجربة علمية حول عوامل إنهاك القرار عند الإنسان، ولجوئه إلى قرارات – على الأقل – ليست نتيجة تفكيره الموضوعي المستقل بل بسبب عوامل نفسية تضغط على إنهاك “حسن اختياره” ، كانت التجربة تعتمد على فكرة تنويع الخيارات أمام المشتري، ثم النظر في نوعية اختياره وأسبابه ، واختير لذلك أن طلبوا من مجموعة من طلبة الجامعة أن يشتروا لهم “بدلة” يكون اختيار التفاصيل عليهم من بين مجموعة واسعة من الخيارات ، فعليهم اختيار لونها من بين ٥٦ لون، وكذلك نوع القماش، والأزرة، وخيط الخياطة، و”الموديل”، وكل ذلك بملاحظة تفاوت الأسعار مع كل اختيار ، وكانت النتيجة من هذه التجربة، وتجارب أخرى مشابهة لها، أنّ الطلبة ومع مسار التفكير والاختيار “وإنهاك حسن القرار” يصلون عند نقطة يسألون البائع ماذا تنصح؟ أو أعطنا الرائج بين الناس! أو النموذج المعتاد! أو المتوسط السعر! أو الأرخص! . . . وكل هذه اختيارات ليست نتيجة تفكير موضوعي بل لعوامل نفسية، كل موقف فيها يعكس حالة ، كالكسل أو التوافق الاجتماعي أو التقليد أو البخل . . . أو غيرها ، وعلى الرغم من تكرار إجراء التجارب المشابهة لهذه مع تغييرات متنوعة للعوامل، توصل الباحثون إلى فكرة مفادها: أمام تنوع الخيارات “تُنهك” الإرادة، فيميل القرار إلى العشوائية لعوامل نفسية.

وهذه الدراسات لا تدعو إلى “سلب الإرادة الحرة عند الإنسان” بل تريد الكشف عن مسبباتها من أجل وعي أكثر بعواملها حتى يستطيع الإنسان تجنب ما يكون سيئاً لمصيره، وذلك أن قرار الإنسان يسير بنفس النمط سواءً لعبور نهر روبيكوني أو لاختيار “بدلة” بل لاختيارات أقل من ذلك.

(٣)

بالنسبة للعالِم الذي يعيش مؤمناً بقوّة العقل، فإن قصّتَه تنتهي كحلمٍ سيءٍ. فهو يتسلق جبال الجهل، يكاد أن يقتحم أعلى قمّة فيها، بينما هو يدفع بنفسه فوق آخر صخرة، يجد نفسه يتلّقى تحيات مجموعة من علماء الدين الذين كانوا يجلسون هناك منذ قرون” روبرت جاسترو (Robert Jastrow) من كتاب (الله والفلكيون).

هبّ أنّ الأزمان تداخلت بما فيها من الأشخاص والأحداث، ثم تلاشت في صفحة المكان بلا زمان ، ورأيتني أقف مجدداً على طابور مشتريي القهوة لكن ليس في جامعة أنغيليا بل في أكسفورد ، الحوزة العلمية للعالم الغربي ، وصادف أنّ ماتييو قد غاب ذلك اليوم عن الدرس، وأنا أمضي على سجيتي في طلب القهوة السوداء، وإذا بي أرى رجلين يقفان أمامي قد ملأت الهيبة محياهما ، أحدهما يعتّم بعمامة بيضاء من القماش الهندي، وعليه عباءة بندقية اللون قد حيكت في أصفهان، وتحتها جبّة من اللون البصلي الميّال إلى الصفرة، قد أحاط خاصرته بمنطقة من البرد اليماني المنقوش بزخارف الورد ، يمسك بيديه سبحة الصندل ذات الرائحة العبقة ، تنسدل لحيته المشوبة بالبياض ثلاث أصابع، ويشعّ وجهه نوراً وضياءً، تبدو جبهته معفّرة من طول السجود.

يقف أمامه رجلٌ آخر قد اعتمّ بعمامة سوداء من القماش الخراساني، وعليه عباءة رمادية اللون قد حيكت في بغداد، وتحتها جبّة من اللون الأزرق السماوي، وقد أحاط خاصرته بمنطقة من البرد اليماني المنقوش بزخارف هندسية، وتنسدل لحيته السوداء الناعمة بمقدار إصبعين ، أما وجهه الأبيض اللون فيمتلئ بجمال الطالبيين من بني هاشم، ذلك الجمال الأخاذ بعينين ناعستين.

لم تخطئ ظنوني، فذاك هو الشيخ المفيد الذي عاش في بغداد قبل أن تنتقل القهوة من الشرق زاحفة من الجنوب الأفريقي إلى اليمن، ومنها إلى مكة عابرة البحر الأحمر إلى القاهرة، لتصل إلى إيطاليا. وهذا تلميذه السيد المرتضى علم الهدى؛ نقيب الطالبيين في بغداد. وكلاهما علمان من أعلام العلم، تشدّ الرحال لمجالس درسيهما، وها هما الآن قدّ طويت لهم الفيافي الوديان والسحب ليكونا استاذين زائرين يتقلدان كرسي اللاهوت الإسلامي، وبالخصوص الشيعي الإمامي، في جامعة أوكسفورد.

قاطعتهما بينما كانا يتحدثان، وسألت الشيخ المفيد: من فضلكم شيخنا الفاضل؛ بأيّ قهوة تنصحني؟

فأجابني بسؤال: وماذا تريد من القهوة؟قلت: طعم المرّ، ونشوة الكافيين.فقال: وما “الغاية” من ذلك؟قلت: طيب المذاق، وتنبه العقل.فقال وقد بدأ السيد المرتضى يلقي بمسامعه باهتمام لحديثنا: إن العدل (أنْ تعطي الشيءَ حقه الذي يستحقه).فقلت: وما حق طيب المذاق، وتنبيه العقل.فقال: لا يعرف الحق إلا بمعرفة “المستحِق”، فلكل شيء “غاية” خلق من أجلها، تتناسب مع “طبيعته”، وتقودها لكماله. فأما طيب المذاق فأمره إليك، لكن خير الأمور أوسطها. وأما تنبيه العقل فاعتدال المزاج.فقلت: أراك يا شيخنا المفيد – أدام الله عزك – تكثر الحديث عن “الغاية” و”الطبيعة”، وتُعرض عن “الكيفية”!فتبسم ضاحكاً وقد علت وجنتاه، ثم أردف قائلاً: لقد ضيّع المحدثون من الحداثيين – أو هكذا يتمنون أنفسهم – وأعانهم عليها علماء الطبيعة “الغايات” و”المعاني”، ودمروا “الطبائع”، وانشغلوا بالـ”كيف” على حساب “النوع”. لكننا أبناء التعاليم الإلهية – أو هكذا نتمنى – نسأل دائماً عن المقاصد والغايات، لنوفيها حقها، فذلك العدل الذي نزلت به السماء، وتذكرت به الفطرة. وما لم نفعل ذلك خرجنا من الإيمان إلى الظلم.

فقلت: ولكن أنّى للإنسان القدرة على المعرفة وقد امتلأت السوق عن خيارات واسعة، كثر فيها الجواب، ففقد الصواب كما يقول أمير المؤمنين (ع):  إِذَا ازْدَحَمَ الْجَوَابُ خَفِيَ الصَّوَاب. ولا يبدو أنك قد التقيت بجونيثان ليفاف لتسمع منه عن تجاربه في ذلك.

فأجابني بعدما استدار تماماً إليّ، وشدّ على سبحته بقبضتيه: اسمع يا بُنيّ! لا بديل عن العقل والدليل والنظر إلا الظنون والجهل، ولا يصح من العلماء مهما كان حقلهم أن يشرّعوا للجهل أو الجهالة، وذلك لأنهم إنْ فعلوا ذلك هدموا بيوتهم بأيديهم وأيدي المشككين. فما يصنعه ليفاف وغيره كدانيال كانمان وعاموس تفيسكي . . . وغيرهم – إن أحسنا الظن بهم – هو الكشف عن نقاط الضعف لتجاوزها، وكذلك فعل أمير المؤمنين (ع) فيما نقلت عنه، لكنه أعطى الحل أيضاً فقال: أضْرِبْ بعْضَ الرّأْيِ بِبَعْضٍ يَتَوَلَّدْ مِنْهُ الصَّوَابُ. فعلى الرغم من شدة العوامل المربكة لاختيارات الإنسان، وكثرة الطرق التي تدعي وصلاً بليلى إلا أنّه على الإنسان أن يبني مسار حياته على “العلم”. وذلك إنما يكون بطول “النظر” و”دقة الفكر” و”تمحيص الادعاءات”. فسواء انتابتك حيرة قيصر أمام نهر الروبيكوني أم تتردّدت في اختيار البدلة المناسبة أم وقفت شاكاً حول صانعة القهوة المناسبة . . فإنّ لله الحجة البالغة بما وهبك من “العقل”، وما أرسل إليك من “الآيات”، وبما قدّم لك من “البينات”.

فقلت: لكن يا شيخنا المفيد ـ أدام الله بقاءك – ألا ترى أنّك شديد الثقة بالإنسان “العاقل”، وكأنّ العقل فيه “أصل” وقائد رشيد، والحال أنّ بني البشر خطاؤون، بما لا يضمن سلامة أحكامه واختياراتهم؟!

فقال: الحقيقة يا بني – بصّرك الله الحق – أنّه لا يكاد ينقضي عجب الإنسان وهو يتجوّل في بساتين التراث الديني عموماً، وتراث الأديان السماوية خصوصاً، من عمق “الحكمة” التي تلقوها من الوحي السماوي، وبالذات في تبصرة الإنسان بحقيقة نفسه، ورسم معالم طريق الفلاح الذي خطته يدّ العلم الإلهي. فعلى الرغم من التقدّم الهائل الذي حقّقه الإنسان بمختلف النشاط الفكري من شتى حقوله العلمية والفنية والأدبية إلا أنّه يبدو وكأنّه يحبو في مراحله الأولى في وديان الحكمة السماوية. فإنّها بما حتوته من الحكمة بيّنت للإنسان “أنواع” الغرائز التي تشكل شخصيته، و”أنواع” القوى الطيّبة التي تقابلها، وبمجموع ذلك رسمت له “منهج” الحياة السعيدة، وبها أيضاً “خاطبته” ككيان “عاقل” يتميّز عن بقيّة الكيانات الحيّة التي يشاطرها بعض الصفات.

ومن هنا كانت معرفة “النفس” البوابة الأولى للمعارف الإلهية، (فمن عرف نفسه عرف ربّه). وبذلك يذكرنا الإمام جعفر الصادق (ع) بأنّه (ليس لأبدانكم ثمنٌ إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها). وهذا يعني أصالة “الكرامة الإنسانية”. ليست كرامة الأنفة أو الحمية أو التغني بالثروات والجاه والنسب والحسب بل كرامة أنّ بين جنبيْ الإنسان “نفخة” من الروح اختصها الله سبحانه بنفسه، فنسبها له عندما قال: (ونفخنا فيه من روحنا). وهذا يعني شحذ هائل وعظيم “للهمّة”، وفتح قلبه الإنسان على كوة الغيب، فيمغره “التطلع” إلى المعالي. لكن ما يقف أمام هذا التطلع عوامل الجهل والغفلة أو الكسل والخمول أو الخوف العميق من اقتحام المجهول أو العصبيات الدونية. ولا مقاوم لها إلا “العقل” المستنير بالوحي الإلهي، والمقتدي بالأنبياء والرسل والأئمة (ع).

ولأنّ الإنسان يستخدم “إرادته الحرّة” في كل شيء، فهو أمام القضايا الكبرى يفترض ألا يتهاون . . . ذلك أنك أمام أمر “خطير” – لولا رحمة الله سبحانه عليك لما أطبق لك جفنٌ ولا هدأ لك بال – وهو مصير “الخلود”. وما كان هذا مصيره فإنّه لا تكفي فيه “الظنون” ولا ينفع فيه الـ(the die is cast) بل تحتاج فيه إلى يقين البرهان، والحجة المعْذِرة لك. فإذا كان الإنسان في مثل أموره الدنيا التي تذهب لذتها وتبقى تبعتها يمّحص الطرق، ويدقّق في الاختيارات، فكيف به أمام هول رهيب ونبأ عظيم؟!

هكذا قررنا الأمور في أولى مبادئ الدرس العقدي: أنّ “المعرفة الدينية” ضرورةَ جدٍ لا هزل فيها، وواجبَ عقل لا تهاون فيه . . وإلا فيبيت الإنسان أبداً في الدرك الأسفل من الجحيم! (إنْ هم كالأنعام بل أضل سبيلاً)!

 * * * 

توقف الشيخ عن كلامه وأنا لا أزال مشدوها لمقاله ينظر إليّ السيد المرتضى متبسماً مما أصابني، فقد جئت سائلاً عن قهوة وإذا بي مسؤولاً عن مصير “خلودي” . . لكن هذا حال العلماء الربانيين أنّ تخرج منه عن زيادة في دين، وأمل كبير . .

وصلت إلى بائع القهوة، فقلت له: أعطني قهوة سوداء . . فأنا مشغول بما هو أهمّ منه!