صلصال الأخيلة

: زيارة
تخيلت اليوم أن أمي ستزورني .
أيقظني الغثيان في منتصف الليل ، كنت في تلك القنطرة الواصلة / الفاصلة بين الوعي و اللاوعي ، تربكني العتمة التي صبغت المكان ، و تجهدني تلك السوائل الحامضة الحارقة في جوفي ، بحركة لا إرادية نزعتُني من السرير ، و حططت برجلي العاريتين على الأرضية الباردة ، محاولة الوصول لدورة المياه ، لكن أنبوب المغذي المثبت في ظهر كفي شدني و يبدو أن قطرات قليلة من الدم نفرت من موضع الجرح ، فجذبني الوعي ، و اكتملت الصورة المفككة في عقلي ، و اتجهت لضغط زر جرس استدعاء الممرضة ، لكني – رغما عني – كنت قد سكبت ما في معدتي .
في عمقي ، أعمق أعماقي ، جذوة ، حريق داخلي ، لكن البرد رغم ذلك يلسع جلدي ، فيأتي سؤالي مرتعشا :
“أين أمي ؟”
بعدها أتى طاقم التمريض و قاموا بتنظيفي و إستبدال الأنابيب و الأمصال ، و معاونتي في تغيير ثيابي ، انغمستُ بالإدراك و بدأتُ في اقتناص الإجابة .
” أمي.. لن تزورني بالطبع .. أو ربما هي تفعل ”
ارتخيت على السرير .
قالت رئيسة الممرضات التي أحب موعد مناوبتها أن عليّ منذ اللحظة البدء في أخذ أقراص الـ أوندا لتخفيف الغثيان ، لم أجادلها ، و لم أبين لها أن هذا الدواء لا يجدي معي . كنتُ أبتلع القرص الأصفر يوميا في إصابتي الأولى قبل عامين ، حيث كنت أزور المستشفى أسبوعيا لأخذ جرعة العلاج الكيميائي ، و في كل مرة كانت هجمة الغثيان و حرقة المعدة تطيح بي ، كيف ستجدي هذه العقاقير الآن ؟ وقد أصبحت على ما يبدو نزيلة دائمة ، و أحتاج تكثيف الجرعات اللئيمة.
أنا أحب هذه الممرضة ، وجهها السمح ، و سُمرتها المحببة ، تتحدث بحنان و هدوء و تبدو ابتسامتها لصيقة بوجنتيها ، أحبها و أحب موعد مناوبتها .
تحدثني عن طفليها اللذين تركتهما في الهند و هي تغرس بصبر إبرة المصل المغذي في كفي ، تبتسم و تقول :
” أكملت راهما عامها الثامن ، بينما يستعد سيمائيل لأولى سنوات المدرسة ”
فهمت مرة تلو المرة أن اسماهما : رحمة و إسماعيل ، و صرت أطلب أخبارهما .
حينما تتبدل المناوبة ، و تباشرني الممرضة ” غريس ” الفليبينية أبقى متشنجة و معطوبة الأعصاب .
في إحدى المرات كان يتوجب عليها أن تأخذ من دمي مقدارا للتحليل ، صارت تقلّب ذراعي بحثا عن عرق صالح من بين العروق الذاوية التي أنهكتها كثرة الحقن ، قلبت الذراع اليسرى ، ثم انتقلت إلى اليمنى ، ضاقت عيناها و تأففت ثم اختارت عرقا في رسغ اليد اليمنى ، و أحسست فجأة بلسعة دبوس من نار ، و طفر عمود الدم ، و صرت كلما نظرتُ إلى الهالة السوداء المخضرة في بياض يدي أنقم عليها ، أو ربما لم أعد أعبأ الآن ، وربما أسامحها .
هل تقصّدت غريس ذلك ؟ بالطبع لا ، و لماذا تتقصدني بالأذى و هي مسؤولة عن عشرات النزلاء / المرضى / اليائسين / الآملين ، أشباهي ؟ أنا أدرك أن هذا المرض و هذا المكان يحرّض حساسيتنا تجاه الشخوص و الأشياء ، لذا بعد أن انتهى وقت الزيارة هذا المساء دون أن تأتي فاطمة ، و اكتفت ببعث رسالة اعتذار على الهاتف ، تخيلت أن أمي ستزورني .
لستُ حانقة على فاطمة ، بل أتفهم اعتذارها و أرحّب به !
أنا متفاجئة من تبدلي ، من ركوني للعزلة ، و سكوني للهدوء ، و انغماسي في مساحات التأمل و الخيال ، و لست أحب من نفسي ، في حديثي الداخلي ، أن ألوم أحدا أو أعتب على أحد .
لفاطمة الحبيبة أسرة تعتني بها ، ولداها على عتبة الاختبارات ، و لديها طفلة رضيعة ذات شهور عشر ، و أنا جد شاكرة لعنايتها الدائمة بي ، و تبادلها رعايتي و زيارتي مع أختنا الصغيرة ” حسناء ” و التي تحيط بها – أيضا – ظروف التزاماتها الأسرية الجديدة . هل لي أن أعتب عليهما ؟ هل لي أن أظهر في مرآتي الداخلية بمظهر الأخت العليلة الشقية المنبوذة أو المهضوم حقها ؟ بالطبع لا ! و رغم ذلك ، أدرك أن الأمور كانت ستختلف بحضور أمي ، و لذا تخيلت أن أمي ستزورني .
تخيلتها ، بعينيها المسالمتين ، الوادعيتن ، و أهدابها الطوال – قبل أن يخطفها ذات الوحش الذي ربما يختطفني أيضا- تدخل هذه الغرفة ، تفك حجابها ، فتنتشر رائحة العطر الفرنسي الذي لا تغيره ، تسألني ماذا أكلت ؟ أو ربما ماذا أريد أن آكل ؟ ثم تسألني هل صليت؟ فتثني عليّ أو تنهرني لتلكُّئي ، ثم تبحث عن هاتفها في حقيبتها الرمادية المخططة بدرجات اللون الزهري فلا تجده ، و تطلب إلي أن أعطيها هاتفي لتكلم فاطمة ، و تسألها عن الولدين و عن يونس و توصيها به ، و تحادث حسناء ، و تطلب منها الدعاء لي ، و ستخبرها حسناء أنها تفعل ذلك كل يوم ، و سأبكي أنا .
و تخيلتنا معا ، نبرأ من مرضنا ، تنمو حدائق شعرنا مجددا و نُزهر ، تجري في أوصالنا مياه العافية ، و نعود لبيتنا ، أو نسافر كما تمنت في أيامها الأخيرة.. إلى الشام .
” و الله مشتاق يا زينب .. و الله مشتاق
يمتى يم صحنج أرد
من بعد موتي أنولد
و الله مشتاق ..”
أتخيل الآن صوتها المجهد المبحوح ، في نمط أيامها الأخيرة . كانت تشكو البرد على الدوام ، تتدثر ببطانيتين ، و تحكم القبعة الصوفية على أذنيها ، و الشال الثقيل على رقبتها . لم تكن تخبرنا أن ضوضاء اجتماعنا حولها يربكها ، و لم تبدي انزعاجها من تراكض و لعب أطفال فاطمة ، و لا من أصوات التلفاز و أجهزة اللعب اللوحية العالية ، و من شدة خجلها لم تخبرني أن هبوب هواء المكيف يزعج المساحات الظاهرة من وجهها إلا في الأسابيع الأخيرة ، حين بدأنا ننزاح رغما عنا لفكرة غيابها / راحتها المفجعة .
هل تفكر أختاي على هذا النحو بي الآن ؟ هل أفكر أنا ؟
هل تتمنيان –و أتمنى – الراحة عبر بوابة الموت الغامضة ؟
ما الذي أتمناه الآن فعلا ؟
قبل لحظات بعثت فاطمة برسالة اعتذار ثانية ، أخبرتني أنها لن تقدر على زيارتي في الغد أيضا ، و أدري أن الغد موعد زيارة حسناء الأسبوعية لأهل زوجها . لا يزعجني ذلك أبدا ، أصبحت تروقني الخلوة و تدهشني انهمارات غيوم الذاكرة ، كما أن زيارة الأحبة تؤنسني. صارت الأمور على تناقضاتها محببة ، ودودة ، أليفة و مفهومة .
تعجبني قوة فاطمة ، و تعاملها الطبيعي معي ، فحين تأتي لرؤيتي توصيني بأن أكون قوية ، و متفهمة و متعاونة و محبة لواقعي ، و قد توبخني إن أحست بانكساري . تعامل حكايات وجعي بعقلانية ، تأتي لي بالكتب و المجلات و بصوتيات لمحاضرات قيمة، تطلب مني أن أحب ما أفعل و لا أحشر ذاتي في قمع تزجية الوقت ، أخبرها أني تقيأت بالأمس مثلا ، فتقول لي :” مفهوم يا عمري ” و هي تمسح زجاج نظارتها ، لكني أدرك أنها تفعل كل ذلك لتمنع تبعثري .
و تعجبني رقة حسناء أيضا ، حين تدخل الغرفة بعذوبة ، و تسأل عن تفاصيل أحوالي ، تسقيني ماء مغمورا بالطيبة و الحب و الدعاء و تردد و هي تضع يديها على جبيني :
“يا عدتي في شدتي
يا حافظي في غربتي
يا مؤنسي في وحدتي
يا وليي في نعمتي
يا كهفي .. حين تعييني المذاهب و تسلمني الأقارب ”
تحكي لي قصة دعاء المشلول ، و تعرفني بحكمة البلاء و جميل أجر الصابرين و هي مبللة العين .
أحبهما ، أحب تجلّد فاطمة و أحب رقة حسناء ، أحبهما في زيارتهما ، أحبهما في غيابهما ، أحب الوحدة ، أحب الصُّحبة، ربما لم يعد هنالك فرق ، لكني أكيدة ، أكيدة جدا ، أن موازين الوحدة و الصحبة كانت لتختلف لو أن أمي هنا ، و لذا تخيلت مرة أخرى أن أمي ستزورني .