متتالية قصصية

1/ طلقة / طلاقة / طلاق:

سأتخيل اليوم أني طلقة !
غالبا ، لن يقف في وجهي شيء إن اخترت هذا الكيان ، طلقة ، موجهة و نافذة ، عنيدة ، تكسر زجاج النافذة و تخلق منفذها ساربة للفضاء الطليق .
كنت أقدر أن أتخيل أني نسمة حرة مثلا ، خفيفة بلا ثقل ولا ظل ، بلا قيد من أي نوع ، و كنت أقدر أن أتخيل أيضا أني شعاع ، يبدأ من نقطة سكوني ،ثم يشق المدى بلا حد و لا نهاية ..
و كنت أقدر أن أتخيل أني .. حرة كرفة أجنحة الفراشات ، لكن كرهت هذه الخيالات الناعمة و اخترت عنف الطلقة .
الطلقة أم رفة الفراشة ؟
قرأت عن أثر الفراشة قبل خمس سنوات ، أو ربما ست ، هل ينبغي علي تحديد الفترة الفاصلة بين لحظتي الآنية و طيف باهت من الذاكرة ؟ لا أظن ، فذاكرتي – مذ سكنتُ أخيرا في هذه الغرفة – صارت سخية ، غيداقة ، تفتح عليّ سيلها و تتركني مبللة / مبلبلة ،تمضي بي إلى منافذها و تمدني بالصور، بالفرحة و الألم . المهم هو ثقتي بكوني تعرفت على سحر رفة أجنحة الفراشة في مرحلة دراستي التخصصية في كلية التكنولوجيا ، يومها قالت نسرين أن ” تسونامي ” الذي أرعبني في بواكير مراهقتي حدث بسبب رفرفة جناحي فراشة في أقصى الأرض ،  فلويت فمي ، و رفعت حاجبي ، ليس لأني أهزأ بما لا أعرف ، لكن لأني أستثقل نسرين كثيرا ، و أجد في شخصيتها تبجحا ثقيلا ، فتصرفاتها التي تدل على أنها تحب التظاهر و التذاكي و أن تبدو ” فاهمة ” و عارفة بكل شيء تستفزني ، و تجبرني أن أضع كل ما تقوله في خانة التحفظ و ربما الشك .
هل كانت ثقيلة الظل فعلا؟ هل كانت متكلفة ؟ كل ما أذكره أن حضورها يربكني فيسوء مزاجي ، ولم يكن من السهل علي تفسير حالات القبول و النفور التي تنظّم علاقات التعاطي بين الأشخاص ، لكني الأن أقول .. ربما كنت سيئة المزاج أساسا آنذاك ، وربما كان وعيي مستغلقا و مقفل الأبواب لم أعرف الجانب اللطيف من شخصيتها ، على العموم ، كيف سأهتم بنظرية الفوضى و أثر الفراشة و أنا كنت قد انفصلت توا عن

” عمار ” ؟
بكل مرارة قالت أمي عن طلاقي :
” كل هذا عين وحسد ”
و قالت أختي فاطمة :
” هذه نتيجة سوء الاختيار ”
بينما لم تقل أختي حسناء شيئا و اكتفت بتحرير دمعها .
عمّار .. لابد أن لديه اليوم زوجة و عائلة ، و لكني لن أفكر فيه ، ولن أعبث بمخزون الذاكرة ، رغم أني لم أزل إلى اليوم أتشوش حينما أصادف شخصا يحمل اسمه .
في عملي ، في المدرسة الثانوية العديد من الأسماء ، أسماء الفتيات المصحوبة بأسماء الآباء و المذيلة بألقاب العوائل ، كم

” عمار” عبرني و اعتصر ذاكرتي ؟ المواقف المتشابهة و الأسماء المتطابقة تسبب لي تقاطعا مع الذكرى المٌتَناسَية ، و تفتح معابرا لمدن الحزن .
قبل انفصالي ، كنت متيقنة بأن عمار هدية الحياة ، و أذكر أني قبل عقد القران و أثناء تجهيزات الحاجيات ذهبت و فاطمة إلى سوق الصاغة ، اصطحبنا زوجها ” يونس ” إلى صائغ يعرفه . طلبت من فاطمة أن تترك لي سعة للاختيار الشخصي ، كنتُ خجلة مما عزمت عليه ، و هي تفهمت ، فصحبت يونس إلى متجر بيع ثياب الأطفال القريب وهي تجر ثقلها بحملها لطفلها الثاني .
قلت للصائغ أني أريد سلسلة من الذهب تحمل حرف العين ، و قلت في نفسي :
” ع .. عبير .. ع ..عمار ..تلاقينا في العين و الراء ، تلاقينا في المبدأ و الختام ، فكن مبدئي و ختامي”
تدغدغني الفرحة ، تطيح بي ، تدوخني ، و أشعر أن الرابطة بيننا منيعة ، وثيقة لا تفصم .
هل رفت أجنحة فراشة ما فأودت بحلمي كما تصّور نسرين؟
أم هي الأسباب و المسببات كما قالت فاطمة ؟
أم هو تطهير لي من ذنب قديم كما تعتقد حسناء ؟
أم هو حسد كما تأسف أمي ؟
أم هو اختبار لصبري كما بيّن يونس ؟
ذلك اليوم حين انقضى الأمر ، وأثناء العودة من المحكمة ، شعرت أني أسير في الوحل ، كنت أثق أني لست جديرة بتلك الحياة التي رسمتها مرارا في أخيلتي ، أسرة حانية و بيت ودود و أطفال و …
قادتني فاطمة إلى السيارة ، كنت أشكو من ورم في عيني اليمنى ، كانت حمراء ملتهبة . جلست في المقعد الخلفي قرب أمي الواجمة ، بينما ارتخت فاطمة في مقعدها قرب يونس.
قال :
” أختي عبير.. لا يأتي من الله إلا الجميل ”
الظهيرة الصفراء امتصت أنفاسي ، لم أعثر على صوتي لأجيب ، لكني بعد ذلك عثرت على جمال اختيار القدر .
رغم ذلك ، وحين قُبلت في كلية التكنولوجيا ، قسم الكيمياء التطبيقية ، و التقيت بنسرين التي فرضت على وحدتي صحبتها ، صار الصعب عليّ فهم كلمة ” الفوضى ” مجردة ، حيث كنت أدرجها ضمن مشاغبات العبث ، لكني حين قرأت الكتاب الذي أهدته لي نسرين ، بدأت أتحرر من الأحكام المسبقة .
و رغم ذلك ، لا أود اليوم أن أتخيل أني فراشة ، و لا أني ذبذبة متولدة من خفقة جناحيها ، بل أريد أن أنفذ من المكان كطلقة ، أخترق زجاج النافذة ، و أمضي بثبات في خط مستقيم ، حيطان المبنى ، ثم مواقف سيارات الإسعاف ، و سيارات المراجعين والزائرين ، أصل إلى الشارع العريض ، و أعبر أعمدة الإنارة ، ترتفع أسفل مني ضوضاء الحياة ، أبواق السيارات ، و صوت عجلاتها على الإسفلت ، مواء قطط شاردة ، نداء بائع المثلجات أو زئير دراجة نارية ، و ربما شجار ما ، لا بأس ، فليُكسر الصمت المهول الذي يغلفني .
لكن ، لابد للطلقة من مُستقر .
و خيالي رحيم/ خائر / مُروّض ، فرغم كل شيء ، لن أتخيل أني الطلقة ، و لن أتخيل أنها تستقر – أخيرا – في صدر الممرضة التي دخلت الغرفة ، و التي تتحدث بطلاقة ، و تخبرني بأني في الغد ، سأستأنف أخذ جُرع العلاج الكيميائي .