هل القصيدة كائن مُدلل؟ يحيرك ما بين وضوحه وغموضه؟

في لحظة يخدعك بوصوله إلى نقطة روحك معتقدا أنه يعطيك ما تعرف وتألف، ثم يخاتلك ويبتعد ليشيّد عالما آخر جديد الملامح. ويبقى هذا سؤالي المشاكس عند التعالق مع كل عمل أدبي، حيث أحتار ما بين جمال تأثير الأليف وغواية الشهقة في الجديد.

ديوان: تكوين لذاكرة الهوى للشاعر الأستاذ رائد أنيس الجشي ديوان مراوغ، يأخذ المتلقي  لسُكنى الأوطان وحنينها، ثم يتوحش به في مناطق أخرى. وعلى اعتبار أن الشاعر – كل شاعر – يكتب عبر منطلقين:

  • مواد المعرفة
  • مد الروح

أجد أن الديوان ينطلق بهذين المنطلقين بأجمل توظيف ممكن، حتى أني كنت أتساءل وأنا أقلب الصفحات كيف من الممكن أن يُغفل عن مثل هذا النتاج؟

1- الذاكرة: صورة الأوطان:

القصائد مشبعة بالوطن الكبير، بصورته ورائحته، والذاكرة تصهل بخصوصيات المكان / رحم القصيدة. فكأن الشاعر كان يضمّن ذكراه في الأبيات، ومغامرته الشعرية.

ففي قصيدة: نكهة العطر تونس، وقصيدة كافيه ليل بيروت، ولا بأس يا وطني – وهي أبلغ القصائد تأثيرا – وقصيدة مريم النيل، تظهر هيمنة الوطن في المجموعة الشعرية، كما أن القصائد وظفت أكثر من مرة مفردة (الياسمين) بعدة صور مبتكرة، وهذا ما يحيلنا إلى تراكمات تبدلات صور الوطن في الذاكرة.

-يقول الشاعر:

لم يعطس بنا

عجل النبوات

ولا شاربنا

أحتاج إلى أسنان مشط الأمة الحلم

حليقون من السّكر

والأحلام

في فوضى العمائم

* قصيدة الفضح.. آدمي العنب.

2- اللغة:

يتوجب على اللغة الشعرية أن تكون إيحائية، بمعنى أن المفردة المستخدمة تخرج من معناها المعجمي إلى مستويات ثانية وربما ثالثة من التلقي. والشاعر هنا يجيد خلق الصورة، ويذهل القارئ بغزارة التراكيب وجدتها وفنون ابتكاراتها.

لم أجد تركيبا مكررا، كل قصيدة كانت تحمل إضافة جديدة تبين ثراء مخزون الشاعر اللغوي. كما أن الشاعر يجيد تحريك الصورة الشعرية، ويؤثثها باللون والصوت والرائحة مما يكسر جمود التلقي، ويُحكم التأثير في نفس القارئ.

نجد هنا توظيفا مميزا للون من قصيدة مريم النيل:

للأحمر لغة

يتنفسها الصبر بك

وتحمل أصابعك الضوئية

خاتم عقيقه

جهة القنوت

أومن قصيدة حديث الياسمين:

والحلم هرّب ذاته

في صفحة بيضاء

 

أو قصيدة تسليم في حضرته:

لهم زرقة الماء

عزف النوارس

دفء الرمل

وضوء القمر

وكذلك الاشتغال المميز على تقنية الصوت، حيث يقدم الشاعر مفردة الصهيل / المواويل/ أهازيج مثلا في عدة أنسجة دلالية وغيرها من المفردات التي أعطت بعدا صوتيا في النصوص.

يقول الشاعر:

أحيت عاديات الرقص

في قدح المسامات غبارا

وأنا ” ضبحا ”

بأوتار انحناء القمح

في حافر نوتاتي ذويت


٣/التناص:

لماذا يلجأ أي كاتب للتناص؟

لماذا يجعل من نصه متقاطعا مع نصوص مخبوءة في عمق الوعي والذاكرة؟ أولنقل لماذا يفرض التناص نفسه؟ أولنؤكد فنتساءل: كيف يسحرنا التناص ويجعل بوابة القلب طيعة لاستقبال الدهشة وتمكين الفكرة؟ أعتقد أن التناص يمكّن الصورة الشعرية من أخذ أبعادها على المستوى الداخلي والخارجي، ويهيئ القارئ لتشرّبها.

في تجربتنا هنا، وجدت الكثير من التناص اللافت، والبناء الذكي / المبتكر على نصوص محكمة.

مثلا نص: كهف النمل الذي يقول فيه:

ويقول لفتاه: لن أبرح

حتى أبلغ مجمع الكهف

وصادف أن الكهف

مخطوط على لوح لم يخرم بعد

ولم يتشكل صلصاله

إلا من اللؤلؤ والنور

أونص حديث الياسمين:

حين يُخفي

بين رحل الروح

لون صواعه المنسي

من زمن السنابل

ونص ملامح حيادية اللون:

يشطف أحرف المعنى

وينشر بوح قمصاني

على ذئب الغواية

ونص هنالك من غير سوء:

وينساه اشتعال النجم

من خلف استلاب الحكي

خيّالون من ومض دخانيّ

وآثار خروف

أملح الروح

تجلى في شرايين المدى

ذِبحا عظيما!

تكوين لذاكرة الهوى وطن للشعر ومقتاتوه، منسوج من أوطان كبرى.