عبور أول لضفة الفكرة
قراءة ذوقية في نص ( وجل ) للشاعر أحمد الرويعي


” الشعر لا يحدد بشكل كتابي ، و لا بتوزيع النص على الصفحة ، الشعر ليس الكتابة و لا الكلمات ، ليس السجع و لا القافية و لا التفعيلة ، الشعر روح ، حين تضعها في جسد فلا تخنقها به ” *
أ محمد النبهان .

عندما أقرأ قصيدة ما بأدواتي المحدودة / المعدومة ، لا أتمكن من تتبع مواطن القوة فيها أو الضعف و لا أقدر أن أقرر تقييما معتبرا ، لكني أنصاع لذلك التوقد الذي يتأجج في روعي ، و يسحبني لقول شيء – أي شيء – بثته في روحي .. روح الشعر .
هذا هو عالم القصيدة – كما أظن – عالم رحيب يتسع للجميع ، و يمس الجميع ، و يتيح أن يُخاض في بحره للوصول إلى ضفة الفكرة ، فكل متلقٍ له انطباع خاص و انفعال معين إزاء الكلمة و الصورة .

و رغم تلك السعة ، فالشاعر في القصيدة المعنية ، ملاّح ماهر ، متمكن من إدارة الدفة ، يجيد ترتيب القصيدة في ( جسد ) ملائم فيحررها و يعطيها كيانا خاصا يتماهى مع جرس القافية .
فماذا يقول الشاعر أحمد الرويعي في قصيدة وجل ؟

-المعنى و المبنى :
تحمل القصيدة هما إنسانيا شديد الخصوصية ، فهي على قصرها مركزة ، تغوص في مخاوف الذات ، و ربما ذلك النوع من التقديم المركز هو الذي جعلها أبلغ تأثيرا ، كومضة مباشرة ، كوخزة تفتح مواطن الوجع ، دون مط و تطويل يتيه القارئ .
و السؤال هو :
من لا يواجه رعشة الخوف ؟ و كيف يتسلقنا إلى أن يبلبل كياننا ؟ و كيف نقدر أن نواجهه ؟
يقول الشاعر :

لماذَا..؟
ليركضَ نحوي الطلَلْ
وأحملَهُ..
في جيوبِ المُقَلْ

لتحتشِدَ الذاتُ
قبلَ ارتداءِ البديهةِ
بالرفضِ ثوبَ الأجَلْ!

هل هي أنواء الذاكرة ؟ هل هو أرث الماضي بتضارباته يقبل نحو الذات في جموح مريب ، فيعبئها بذخيرته ؟
الجميل هنا ، أن القصيدة صورت الطلل ( مباني خربة و تدل على الماضي ) هو الراكض نحو الذات التي تحفظه في المقل أي في العين فكأن الصور تترائى لها ، و من ثم تستحيل العين إلى جيب ، يسهل من خلاله الوصول إلى أية ذكرى .
لكن الشاعر رغم ذلك يحيرنا في المقطع التالي ، فهل الـ أجل هنا هو الموت ؟
لا أعتقد …
بل أعتقد أن هذا المقطع هو دعوة للتمرد على المخاوف ، و نبذ خنوع النفس ، فتطعيم البيت بمفردة ( الرفض ) قبل ( الأجل : الموافقة ) أوحى لي بأنه يصر على ارتداء الذات ثوب الرفض لمثاقل هذا الخوف .. ربما .
و الحقيقة أحسست أن هذا ما يعززه البيت الأخير في القصيدة :

ليُفتحَ بابُ اليقينِ..
كأنِّي تمنَّعتُ..
لكنَّ ظلِّي دخَلْ

لأقنِعَ سبابةَ الخوفِ
أن لا تشيرَ عليَ بجُرمِ الوجَلْ

فها هو الظل يدخل باب اليقين ، و الظل هو مبدأ الحضور و علامته ، أثره ، فإن دخل الظل فإن بشائر القرار وشيكة ، قريبة جدا ، و سبابة الذات ستقدر أن تضع الحد الفاصل بين الخوف و الطمأنينة بحزم .

– الصورة :
ماهي الصورة الشعرية ؟
” هي عناصر متباينة يضمها الشاعر و يصهرها في شكل خاص ” *
من كتاب الشعر السيمياء و الصورة / بتصرف .
نحن نرى أن الشاعر خرج من أسر الكلمة المحددة، ليعطي الصورة دلالات رحيبة ، و مستويات أكبر .
و الأهم أنه يقدر أن يوصلنا لذلك الوجع دون عبارات مستهلكة .
من خلال تعالقي مع غالبية النتاج الشعري للأقلام الشابة وجدت مشكلتين :

١/ في عالم الشعر أجد تشابها كبيرا في القصائد ، هل فضاء النشر الافتراضي ساهم في ذلك؟ هل تأثرت الأقلام الشابة- بإفراط – بمذاهب شعراء معينين كانت لهم السطوة في توجيه الذائقة العامة ؟ ربما .
لكن الشاعر أحمد الرويعي له سمته الخاصة ، تراكيبه ، و مزيجه الخاص ، و هذا ما يشكل قوة متميزة في نصوصه .
ففي قصيدة وجل العديد في الصور المبتكرة :
جيوب المقل / ارتداء البديهة / سبابة الخوف ..
الشاعر يبتعد هنا عن الصورة المكرورة و يشكل صوته الخاص .

٢/ المشكلة الأخرى تظهر في عبثية بعض الصور الشعرية في نصوص الأقلام الشابة ، بحيث يتم تبرير ذلك بكون هذا اللون الشعري يتكأ على الفوضى و التناقض و الرمزية ، و هذا صحيح لكن هنالك فارق ابداعي يفصل بين القصيدة الضعيفة و بين القصيدة المتينة التي تشكل من الفوضى المدروسة و التضاد الجميل صورا شعرية لديها ما تقوله .
هل نجحت الصور – هنا – في صناعة التميز و قيادة المتلقي نحو مكامن المعنى ؟ هل كانت الصورة بمثابة دلالة – و هذا الأهم – للفكرة ؟
هل مثلا كان التضاد في :

لتحتشِدَ الذاتُ
قبلَ ارتداءِ البديهةِ
بالرفضِ ثوبَ الأجَلْ!

خادما لروح القصيدة و محافظا على وحدة النص العضوية ؟
نعم أجد ذلك في هذه القصيدة .