وترنّح الصمت، جاءنا قبل يومين “ابن سويد” وأنبأنا بقرب الفرج لإمامنا كاظم الغيظ، استعاد حديثنا شفاهه المسلوبة، أورقت أيدينا وروداً، وأمطرت أعيننا دموعها شكراً على اقتراب موعد ذلك اللقاء الذي طال، حدد “علي ابن سويد” المكان الذي سيكون فيه اللقاء “على جسر الرصافة كونوا يوم الجمعة”، وأخيراً سيتوقف الظلام عن ابتلاع الليالي المُضاءة بوجود ابن جعفر (أرواحنا له الفداء)، فقط هو من يقدر على إعادة الابتسامة إلى وجوهنا التي شاخت آلاف السنين بسجن سيّدنا سليل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، شكراً لعلي الذي كسر حائط الغياب بمعوَل من الاشتياق. بعض الأماني شهيّة. وكُل من كان حاضراً في ذلك اليوم يُمنّي النفس بلقاء رهين السجون ليرتمي على قدميه، ليبكي على صدره، ليخبره بما جرى. هو أمنية كُل “شائق يتمنّى”. عجّل مولاي فالحُزن طغى.

الجُمعة

خرجت من بيتي أحمل بين يدي وردة حمراء، مُرتدياً ثياب العيد، وحملت معي بعض الأموال لأوزّعها على الأطفال والفقراء، رُسِمت الابتسامة على وجهي، أسرعت الخُطى، وعلى مسافة بعيد من جسر الرصافة حضور مهيب، شيعة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) خرجوا من بيوتهم جميعاً لاستقبال العظيم سجن بغداد، حاولت تجاوز الجميع لأكون في الصفوف الأولى ولم أتمكن، قال لي أحدهم أنّه شاهد ابن سويد قبل ساعات هُنا، وبكلمات هذا الشاب أيقنت بأنني في المكان الصحيح، فالورود بالأيادي، والوجوه مستبشرة، والأطفال محمولون فوق الأكتاف، والكُل نزع ثوب الخوف وأعلن أنّه من عشّاق المولى حفيد حيدر الكرار.

هل يتشافى انتظارنا؟ هل تُرتق جراحاتنا؟ لم يظهر إلى الآن حامينا، لم يلح لنا بدنه الطاهر، بدأت الهمسات بالتسرّب بين الحشود، سمعت أحدهم وهوَ يقول:” بأنّ الأمر خُدعة!”، وآخر صاح: “بأن اقتلوا ابن سويد فقد كذب على الإمام!”، وأخذت الأصوات بالانتقال من حال الهمس إلى حال الصياح، تدافع الناس حتّى كاد أن يسقط الأطفال بين الأرجل، ها هوَ الخوف يرفع رايته، حضرَ بثوبه الأحمر، أمدّ يدي في جيب الوقت وأنتظر، هناك شيء ما يقول لي: “أن أنصت يا “حسين” فالأمر قريب.”

لم يطل الأمر، سرت صرخة مُدويّة بلا حُروف، هيَ أقرب للصيحة، دفعت من كانوا يسدّون طريقي، حاولت تخطيّهم أمسك بكتف هذا وأدفع بدن ذاك، أتكئ على عصاة كهل يحاول التوغّل للأمام، كُسرَ حاجز الصمت والفزع، صرنا نسقط إلى الأمام، نبحث عن إمامنا الغائب، وبين الصخب الذي اعتلى، سمع الجميع النداء “هذا إمام الرافضة فاعرفوه، هذا موسى ابن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فانظروا إليه ميتاً” سقطت الورود، ضج الحضور، لطمنا على الرؤوس تفجّع الشباب، زلزل البُكاء جسر الرصافة، وصلتُ إلى نعشه، ميّت بقيوده! أي وا إماماه، وا كاظماه! صرخت في وجه حملة النعش ما هذا! فنزل بقربي أحدهم وقال: “أنا من كان بقربه في السجن، قتله السندي بن شاهك، رفسه برجله على وجهه، شاهدته يشتم أمّه الزهراء، أنا الحقير الذي قيّد هذا القتيل” واختفى، ضجّت أرض بغداد، يد إمامنا مغلولة بالسلاسل، مُغطّاة بالدماء، عيناه سوداء وأثار خيوط السياط تُغطّي جلده، لم أعد أقوى على سماع صوت البُكاء، لم يعد هُناك صوت وكأنني في عدمٍ محض.

سكنَ فينا الألم، صارَ ذاكرة بحجم سماءٍ مليئة بالنجوم. سكنَ فينا الألم وانطوى في دمعة، ويغفو الليل قليلاً، ولا تأخذ الحُزن سِنةُ من النوم، أحياناً يستيقظ الليل من غفوتِه على صوت آهاتي. على مثل إمامنا كاظم الغيظ موسى ابن جعفر فليبكِ الباكون ويضجّ الضاجون ويعجّ العاجون.

.. انتهى.