مغلول الأيادي مُغطّى الرأس وصل السجين الخطير، يجرّه “السندي بن شاهك” بين يديه، ضربه بلا رحمه على كتفه بسوطه مستعرضاً قُوّته البدنية على السجين الهزيل البدن، وصرخ بأعلى صوته في وجهي: “لا تترك هذا السجن لحظة واحدة، لا تتأثّر بأي كلمة ينطقها، لا يرق لك قلب، فما تراه هُنا هوَ أخطر سجين في هذه البلاد”، وأنا أحاول حبس قطرات العرق التي هربت من مسامات جلدي، أمسك بقدمي التي بدأت بالانتفاض كزلزال، رماه بين يدي حاولت الإمساك به واكتشفت أنَّ الرداء يُغطّى عظماً التصق به جِلده!، خِفت تحطيم عظامه بين يدي، لكنّي خِفت جبروت السندي، أمسكت بيده هممت بفكِّ القيود إلا أنّ ابن شاهك رمقني بنظرة فهمت منها أن أتركها في مكانها، وقال بعدها بصوتٍ ضعيف جداً: “ضعه في الطامورة، لا يرى أحداً ولا يراه أحد، أفهمت؟” .. فهمت سيّدي.

أدخلته في الطامورة المُظلمة، وجلست بالقرب من الباب، أنظر إليه باحثاً عن مصدر خطره، منذ الصباح الباكر لم يصنع أيّ شيء غير صلاته التي صلّاها وسجدة طويلة لم أعهدها من أيّ إنسان، حاولت شتمه ولم أتمكن، حاولت الدخول إلى داخل الطامورة لأضربه ولم أقوَ، هُدوءه مهيب، عيناه المُحمّرتان وأثر الصفعة المطبوع على وجهه جعلني أتراجع مرّات متتالية عن صُنع شيء، وكان السؤال الذي يتردد في عقلي “من هذا؟” هل هوَ ساحر؟ هل هوَ مُعارض”للخليفة”؟ سُجناء السندي بن شاهك لم يكونوا مُجرّد أناس عاديين، كانوا من أعيان القوم ورجالات هذه الدولة، من هذا الذي يُردد “يا مخلّص الشجر من بين رمل وطين، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر، ويا مخلّص اللبن من بين فرثٍ ودم، ويا مخلّص الولد من بين مشيمةٍ ورحم، ويا مخلّص الروح من بين الأحشاء والأمعاء، خلّصني من يد هارون” بين الحين والآخر؟.

بعد أن سألني عن الوقت وصلّى وصل إلينا السندي بن شاهك وبرفقته شخص لا أعرفه، أدخله إلى الطامورة برفقة السجين، وقال لي: “لا تتركه طويلاً بعد دقائق أخرجه وارمي به خارجاً”. وقفت بالقرب منهم، قبّل الغريب يد السجين وقال: “مولاي وسيّدي وإمامي يا موسى بن جعفر، متى الفرج لقد ضاقت صدورنا؟”. – ويلي هذا ابن جعفر سليل النبي الأعظم! – أجابه موسى بن جعفر: “إن الفرج قريب يا ابن سويد .. يوم الجمعة ضُحى على الجسر ببغداد”. رأيت البشارة في وجه ابن سويد فأمرته بالخروج حالاً. لم يلتفت لي قبّل يد ابن جعفر ونهض مُسرعاً إلى الخارج. سرقتني الحيرة، كيفَ يُسجن هذا الإنسان؟ ماذا أجرم؟ لماذا لم يهجم أنصاره إلى الآن على هذا المكان؟.

وفي وقتٍ متأخرّ من الليل دخل علينا السندي بن شاهك وعيناه يتطاير منها الغضب، يُرعِد بصرخاته ويبرق بضرباته، ضرب موسى بن جعفر على وجهه ضربات متتالية، صرخ في وجهه “مُت”!، حاولت الهرب إلا أن السندي أحضر معه بعض خواصه أغلقوا السُلّم المؤدي إلى سطح الأرض، لم يتحرك “موسى” اهتزّت جدران الطامورة بعد أن رفسَ السندي أضلع ابن جعفر.

حضر السؤال مُجدداً في عقلي: “أيّ فرجٍ هذا الذي ينتظره ابن سويد في يوم الجُمعة ولماذا على الجِسر؟”.

.. يتبع.