أفتقِدُك كثيراً، وهل كلمة “كثيراً” يا تُرى تفِي بالحجم الكبير الذي أعنيه؟ وهل هذا الذي أُعانيه كل يوم يُقال عنه فقد؟ أهذا الذي كانت تقصِده أمّي حينما ودّعت أبي ذات ليلة وقالت لنا أنه على عجلة وفي موعدٍ آخر أجمل، وأنه سيعود يوماً. ومنذ تلك اللحظة، وأنا أقف خلفَ الباب أتصنّت على خطواتِ الرجَال خارجاً علّني أستمع إلى خُطى أبي تتّجه نحونا. أهذا هو الفقد، و هل حقّاً فقدتك ؟ أرَحلت عن عمري؟ وأنت عمري بأكمله.

لازلتُ أذكرُ عندما أخذت بيديّ الباردتين بين دفء يديك، ونفخت من قلبك فيهما، فأحييت كل ما مات فِيَّ. لازلتُ أذكر همسكَ لي بأنّي أجملهنّ في نظرك، وأنّي كلهنّ و من هنّ عندما أحضر؟ لازلتُ أذكر كيف سرقتني عند أولِ لقاء، وأوهمتَ الجميع أنك مُلكي حتى تيقّنتُ أنك لي حقّاً، وأنك  أنت النور الذي يزورني في كل ليلة ليُزيل عنّي عتمة الليل الكئيبة ، وأنك أنت اليدُ التي تمسح على رأسي قبل أن أنام وتغفو عيناي عن هموم قلبي الحزينة، وأنك أنت الصوت الذي يوقظني كل صباح ويُغنّي لي “كم أنتِ جميلة”. و لازلتُ أذكرك كلّما رأيتُ السّماء زرقاء وأظلّ أتمنّى وجودك جانبي نمشي سويّاً و نرسم للحبّ طريقاً واحداً و قصيراً، و أذكرك كلّما مطرت عليّ غيوم الليل غضباً فترهقني وأبكي ومامن أحدٍ يميّز دموعي في حضرةِ الأمطار الغزيرة.

تُرى، هل تَراني من هُناك ؟ إن كُنت حقّاً تراني فأنا بخير. بخيرٍ رغم كل هذه الذكريات التي أثقلت كتفيّ و انحنى ظهري قسراً منها.، لا عليك، فأنا بخير، و تلك الدموع التي بلّلت وجنتيّ، هي فقط أداة أغسل بها كل هموم قلبي، فلا تقلق، ولا تحزن. ولكن، إن كُنت لا تراني، فأنا و الخير لم نلتقِ قطْ! سرقني ذات يومٍ حزنٌ عميق، وضعني على كُرسي الذكريات وربطَ أطرافي بحبالٍ من حنين، وحتى لا أرى شيئاً من نورك، لفّ عيني بشيء من افتجاع، شيء من أنين. لكن لا عليك لازلت أيضاً أراك، يصِلني نورك من بين كل سواد، ومن بين ألف همٍ حزين. وكأنك أنت الجراح التي حاولوا أن يزرعوها في حقولي، وكأنّك أنت الظلامُ الذي أرغمَونِي على العَيْشِ فيه، ورغم أنُوفهم، لازلتُ أراك.

أتُراك تسمعُ صوت أنيني من هُناك ؟، فأنا أئِنُّ كل ليلة حزناً عليك، و أرتل على قلبي سوراً كي يهدأ وينام. أتسمعُ صلاتي التي أصليها لك كل مساء وأتلو فيها عشراً من “قدر” في ثاني الركعات؟ قد رحلتَ إذاً، كم من الشجاعةِ أمتلكت حتى تركتني ها هُنا وحيدة أهذِي بأسمائك. أكُنت تعاقبني؟ إن كنت تعلم أنّك راحلُ، فلِم لم تخبرني؟ ألم نردّد شروطَ الغياب معاً وحفظناها، أما كان أولّ شرط ألّا تغيب وآخر شرط ألّا أحزن ؟. إن كان ذلك حقّاً ما تعلّمناه، لِمَ غبت عنّي، ولِم أنا حزينة ؟