توَقف الآن عن القراءة، لا تُكمل هذا النص، أنصحك بهذا الأمر قبل أن أشرع برمي الكلمات أمام مرآك هُنا، لستُ أدري إن كُنت سأتمكن من استكمال النص، قد أنتقل إلى رحمة الله وأبتعد عن هذا العالم في هذه الأثناء، أو أنتَ، ما أدراني؟ دعني أخبرك الآن؛ إن كُنت تمتلك حياة كاملة أنت بحاجة لترميمها فانهض، حياتك أهم من هذه الحُروف التي تتبّعها عبر بصرك وتُحلّلها عبر عقلك، هل لديك أطفال بحاجة لحضورك اللحظي أمامهم، قُم واذهب لهم، كذلك إن كانت لديك قهوة بين يديك فلا تدعها تبرد لتقرأ هذا الموضوع، اشربها على مهل ولا تشارك بها أحداً، هيَ لحظاتك الخاصّة جداً، بعدها خُذ نفساً عميقاً واحبسه، لأنّك إن وصلتَ إلى هذا المكان فأنتَ على استعداد لقراءة ما سينهمر في السطور اللاحقة – إن تمكنت من نشره أو استكماله فكما أخبرتك مسبقاً قد أرحل، وقد ترحل أنت – لذا كُن مُستعِداً، وازفرُ ما حبسته من هواء على مهل، فهذه القصّة لم تُكتب لتُقرأ.

(١)
تعبت.

ذهبت إلى المقبرة في محاولة لإيقاف سيل الأفكار، لدفن غروري، لسحق رغباتي تحت أقدام الحاضر الدائم المُتجاهل من قِبلنا، صاحب الهيبة والسطوة، ذهبت لمشاهدة الموت، ذهبت لنبش ماضٍ عشته، ناظرت في حُفرةٍ تتجهّز لابتلاع جسدٍ أنهكته الحياة، حدّقت فيها مطوّلاً، عميقة بُعمق التاريخ، همستُ في بطنها “رفقاً بي يا منزلي الدائم”، تعبت لكنّي لستُ بمستَعدِ فإني لم أكتب ذلك النص الذي أبحث عنه منذ زمن. أشحت بوجهي نحوه ذلك الجالس هُناك على مقربة من قبرٍ تنام على صدره الورود، ذلك الرجل الذي تحيط يديه ذرّات الغُبار، رفعَ عينيه عن القبر نظرَ إلى عيني بشكلٍ مباشر، ارتعدَت أوصالي، عظامي آلمتني، تحرّكت نحوه في محاولة لفهم ما يحدث، لا أتذكّر إن كانت عيناي ترمشان أم لا، وصلت وقفت بالقُرب منه، لم يهتزّ له جفن هوَ كذلك!، هززت يدي أمام عينيه، لم يكن يراني، أحسّ بحضوري مسح دموع بأطراف ثوبه الأسود، وصرخَ فجأة في وجهي “إنّي أراك يا هذا، أرى قطيع الوحوش الذي يسكنك، أرى أنّك لستَ على ما يُرام”.

استيقظت، بكيت.

(٢)
مساءً مُجدداً تعبت. نمت.

في قريتنا الصغيرة كُل شيء له مَعنى، خُبزُ أمّي المطبوخ على مهل في “التنّور” مُكتنزٌ بالحكايات، فكُل خليّة من خلاياه لها قصّة حُكيت من أجلِها. طاولتنا التي تنتاول عليها وجبة الغِداء أصلحها أبي ببقيّة أخشاب صنع منها كوخاً صغيراً للطيور، لم نكن نتخلّص من شيء فكُل شيء له ذكرى، حتّى الملابس المُمزّقة لها دور في تنقيَة المياه الواردة إلينا، أكواب الشُرب قطعاً كانت تتكاثر، فكُل كوب غُسِلَ من بقايا “جبن مطبوخ”، كانت الحياة في قريتنا مُختلفة تُشبه ألعاب السِحر، في ما مضى كانت الحياة مُختلفة، تُشبه لقاء حقيقي، لا حُلم، لا تواصل اجتماعي “انترنتي”، لم نكن نقدر على إخفاء شيء، كوب القهوة كان لذيذاً يُصنع من مشاعر، والقراءة كانت عظيمة، بها كُنّا نسافر إلى مكانٍ بعيد، ومن ذلك المكان كُنّا لا نعود.

استيقظت، غسلت وجهي.

(٣)
عصراً تعبت.

لا أريد من الكتابة أن تغيّر الوجود، لا أريد إصلاح شيء، تُهدينا الحياة جُروحاً متنوّعة، فلتتعطّل، فلتخترب، لنعيش لحظات من الفوضى، من في قلبِه جِراح يجتذبهم أؤلئك المُصابين في معارك الحياة، يطبّبهم؛ هوَ أدرى بهم من حالهم، في كُل هذا الخراب لن نلتفت إلا إلينا، إلى دواخلنا، إلى حضورنا مع ذواتنا، لن نبحث عن شيء في الخارج، فالخارج عدم، أكتب لأتغيّر، لأتمكن من معرفتي. فالمستقبل كابوسٌ مُرعب والماضي جماله لا يغطّي حاضرنا، أكتب لصناعة يومي.

إنّي راحل.