معايير تقييم الشخصية في قصة : في منزله لـ أ حسين المتروك

في تجربته القصصية يقدم الكاتب حسين المتروك نمطا ملفتا لشخصية دارجة في نسيج المجتمع ، حيث النظرة القشرية للأمور ، و الاهتمام الكبير المبالغ بتلميع صورة الذات على حساب الفكرة و الفعل .

العنوان :

و إذا التفتنا للعنوان كعتبة أولية للنص ، نجد أن الكاتب اختار أن يخصص ( البيت ) وما يجري فيه كـ إطار للقصة ، فـ ( في منزله ) عنوان ذو وجوه متعددة ، تعطي انطباعا بجو النص ، و كونه من المدرسة الواقعية ، و تقودنا أيضا إلى فهم الخصوصية و التماس بين الإنسان و بيته ، فبيته هو منطقة راحته حيث تسقط التكلفات و المزاحمات و المجاملات ، و إذا حاولنا النزوح لمسافة أعمق ، فالبيت هو ذاته و ماعليه . و المنزل هو ما ينزل إليه و يصيره .

المتن :

يبدأ النص بتصوير غرفة مليئة بأعقاب السجائر ، و يرسم الكاتب الصورة بتقنية اللون و الصوت و الرائحة ،حيث رائحة الدخان الخانقة في غرفة معتمة ملئى بضجيج ” الغطيط ” أو الشخير ، ثم ينتقل مباشرة لتعزيز فكرة التعرف على شخصية النص ، الأب الصارم ، المستغلق ، ذي الكرش المتهدل و اللباس البالي ، ذي القوانين الفجة و اللوائح الظالمة ،ذي اللسان السليط ، ذي العلاقات السيئة مع الأهل و الجيرة و الإخوان ، ذي الطابع القاسي مع الأولاد .. المعنى أنه بعد كل هذه السمات السلبية نكتشف أن ( البطل ) حريص على الصلاة و قراءة القرآن ، مما يمرر للمتلقي رسالة – أعتقدها هامة جدا – مفادها : تأكد من مسطرة تقييم شخصيتك !

أجد أن الكاتب هنا و عبر تلك القفلة يحاول أن يقدم هذه الرسالة ، و يرسخها ، لأن مثل هذه الشخصية قدمت الكثير من المعايير المضللة . و متن النص يؤكد ذلك ، حيث يقول الناص :

“لا يُمكن لهم أن يخطئوا فهُم أبناء من هوَ مُختلف، من هوَ عظيم جداً، لن يجدوا لهم ناصرا سواه، فالحياة القاسية كما يرسمها لهم، لم تترك له من صديق، بل وإخوته من لحمه ودمه تركوه يُعاني في صغره وصباه، يُنبئُ بنيه يومياً بأن كُل ما سواه وهم وكذب، وشيء من الخيال.”

فأين المشكلة هنا ؟ أليست في مسطرة تقييم الشخصية ؟ أليس الجميع يرسم لذاته صورة فضلى ؟ و يعتقدها ؟ ثم يفرضها فرضا على من هم في دائرة سلطته ؟ أليس هذا وجها من وجوه الجهل المركب ؟

اللغة :

قدم الناص القصة بلغة سلسة تناسب الحدث ، جاءت اللغة مباشرة ، و لكنها كانت مكثفة مما جنب النص الترهل ، وهذا من أهم سمات القصة القصيرة ، كما تم بناء النص على صور حركية منطلقة من الشخصية الرئيسية و بعض الصور الحركية من الشخصيات الفرعية التي تقدم الفكرة كاملة و ترسم كل جوانب الحدث .

القفلة :

في عالم القصة القصيرة نحن ننظر إلى عاملين مهمين :

1- الفكرة
2- كيفية تقديمها .

فإذا كانت الرواية تعنى بجدة التقديم و فضح المسكوت عنه و النبش في قضايا المجتمع ، فإن القصة تهتم بذلك و لكنها تركز أكثر على طريقة التقديم ، أذكر أن ناقدا كتب مرة أنه لو أعطينا لـ 20 كاتبا موضوعا لكتابة قصة ، لخرجنا بـ 20 طريقة مختلفة لكتابته .

لماذا ؟ لأن القصة لا تقدم التفاصيل و التحولات بقدر ما ” تقنص ” فكرة و ترسم منها حدثا مكتملا . لذا فإنه رغم كون القصة هنا قصة مطروقة ، إلا الفكرة في فنية التقديم ، و أعتقد أن القفلة ساهمت في تمييز التقديم لأنها كانت شق التناقض و عنصر المفارقة الهام جدا في تكنيك النص القصصي القصير . فالقفلة تبين أن تلك الشخصية السلبية بعد كل تلك الأفعال القاتمة تتجه لممارسة العبادات دون فهم جوهري لمعناها .و هذا – كما تقدم – هو جوهر فكرة النص .