حائطٌ متصدّع، وأعقاب سجائر مرميّة على الأرض في كُل بُقعة، ورائحة احتراق النيكوتين تخنق كُل الزوّار، عداهُ هوَ، الزائر الدائم لهذه الغُرفة الخالية، لا شيء سوى كُرسي يتوسّطها ونافذة تُطل على حائط منزلٍ مجاور، يدخلها صباحاً ويبدأ صوت “شخيره” يتعالى إلى أن يصل إلى مسامعهم، فتبدأ حفلتهم، يفتحون التلفاز ويشاهدون كُل شيء ممكن، يقتلون الصوت خوفاً من تسللّه إليه، يُخرجون الروايات الأدبية المُخبأة تحت الوسائد، يقرؤونها تحت “لحافٍ” قُطني اشتراه لهم في لحظة حنان عابرة فيما مضى، يهربون من الواقع إلى واقع مُغاير كتبه العملاق الروسي “دوستوفيسكي”، يسترقون السمع بين الحين والآخر، يبحثون عن صوت “شخيره” إن كان قد انقطع أو لا يزال يهدر في الأجواء.

يستيقظ عصراً، يصرخ بعض الصرخات ، يلعنهم ويلعن الساعة التي وُلِدوا فيها، يخاطب لا أحد في الغُرفة المعزولة، يردد بأعلى صوته “الله ياخذكم يا كلاب”، فتبدأ رحلة الترتيب يُعيدون الحِجاب الأبيض لجهاز التلفاز ، ويخبّؤون الروايات التي تعاطوها خفيَة عنه خلف أي ساترٍ، يتوغّل الخوف فور أن يسمعوا صوت الباب وهوَ يُفتح، يتحرّك في المنزل بلباسه الشهير “إزار هندي” وفانلة بيضاء خفيفة جداً تُظهر “كرشه” الكبير، يظهر من خلف العمود في مشهد درامي مُعتاد، يُطل برأسه وكأنّه يُراقب الوضع، وما أن يراهم يدرسون حتى يُطل عليهم وتبدأ المُحاكمة اليومية ، يجلس على كُرسيه وينتظرهم ليقوموا بأداء الواجب، يتحرّك الأولاد أولاً يقبّلون رأسه ويده، ومن ثَم تُقبل الفتيات، وهو جالس بلا حراك، ينتظر منهم أن يقوموا بما هوَ مطلوب منهم بكُل حذافيره، ومن ينسى أن يقبّل رأسه أو يده سينال الْعِقَاب الشهير، شتيمة مُباشرة، وإن كان ولداً فإنّ الضربة ستكون متزامنة مع الكلمات التي أفرغها من فمه، وإن كانت فتاة فإنّها تنال تشكيكاً سريعاً في ما صنعت في ساعاتها السابقة، فقد تكون انتهكت حُرمة المنزل وتحدّثت مع صديقتها عبر الهاتف، لا يُمكن لهم أن يخطئوا فهُم أبناء من هوَ مُختلف، من هوَ عظيم جداً، لن يجدوا لهم ناصرا سواه، فالحياة القاسية كما يرسمها لهم، لم تترك له من صديق، بل وإخوته من لحمه ودمه تركوه يُعاني في صغره وصباه، يُنبؤ بنيه يومياً بأن كُل ما سواه وهم وكذب، وشيء من الخيال.
يحتل الصالة الرئيسية في المنزل، بعد وجبة الغداء الصاخبة، فكُل ما يوضع على المائدة يجب أن يُمتدح وإلا ..، يجب أن يؤكل وإلا ..، يفترش الأريكة الطويلة، وتبدأ رحلة “الشخير” دون سابق إنذار تبدأ الأصوات بالظهور، مرسلاً رُعباً فريداً من نوعه، يهرب الأولاد إلى خارج المنزل، أما الفتيات فيختفين في غُرَفهن يستيقظ بعد غُروب الشمس، يشتم حظّه العاثر، ويلعنهم جميعاً، ويهاجم من يتواجد في المنزل حينها، يضرب بعضهم ويصبّ غضبه على الآخرين، وبعد لحظات يستميحهم عذراً.
حان ميعاد الصلاة وقراءة القرآن.