مع نص: إشارة خلاص واحدة
لـ باسمة العنزي
* من مجموعة يغلق الباب على ضجر

نص شديد التأثير كونه يمس شريحة من المجتمع، حيث قدمت الناصة الحالة بقالب قصصي يستبقي المتلقي في إطار الحالة.

العنوان: كعتبة أولى يعطي النص انطباعا تفاؤليا، إشارة خلاص واحدة، خطوة للتحرر، فكلمة الخلاص تتيح لنا مقدارا من فهم النص وتنبئه، وربما توقع طبيعته، فمن خلال هذه الكلمة نحزر أن النص يتطرق لمعاناة ومفتاح خلاصها.
لذا أشعر أن العنوان ناجح جدا.

الشخصيات:
لدينا هنا شخصيتان محوريتان، وشخصيات هامشية.
الشخصية المحورية هي ابتهاج، والحقيقة وجدت في الإسم نوع من الألم الساخر أو ربما المفارقة، وفي النص عموما مفارقتان هما اسم الشخصية ووظيفتها الرسمية.
و أعتقد أن الكاتبة تعمدت تضمين هاتين السمتين للشخصية لتخلق في التلقي صورا غير متوقعة لمثل هذه الحالات المتناقضة في المجتمع والنسيج الإنساني. أو ربما لغاية أخرى حيث أننا في القصة القصيرة لا نحتاج دوما لإعطاء الشخوص أسماء.
المهم أن الناصة قدمت للنص بهذا الإسم، وكان ذلك مدخلا جيدا للتساؤل.
الشخصية الأخرى هي الزوج البخيل اللا مسؤول المتسلط الفظ والذي يمثل عقدة النص وأس الحبكة.
الشخصيات الهامشية هي: الأطفال الأربعة والنساء الأخريات شبيهات ابتهاج المأزومات والرازحات تحت الألم.

الزمان: تجري الأحداث في لحظة خاطفة أو ربما زمن لا يزيد عن ٥ دقائق ما بين رمي الزوج للأطباق على الجدار وما بين لحظة قرار ابتهاج وإفلاتها لكلمة أو فعل ابتلعته طويلا، لكن التفاصيل الأخرى المسترجعة من خلال النص كانت حاضرة بقوة وبفنية عالية.

المكان: غرفة المعيشة في البيت المأزوم.

الحدث:
نحتاج هنا لبعض التفصيل،
تدور الحبكة هنا حول حدث واحد، و العقدة هي الزوج، لكن الحدث الممتد يبدأ من جلسة الغداء حيث يتوخى الذئب رائحة الفريسة ويتغذى على صمتها، واستسلامها. ثم يقذف بالأطعمة بعرض الحائط في سياق سردي مرعب نجحت في رسمه الكاتبة.

المعالجة:
رغم أن النص من المدرسة الواقعية إلا أن الكاتبة طعمت النص بالخيال “السردي” ونجحت في ذلك، حيث لم تخلق حالة نشاز لدى المتلقي، وهذا نوع من النصوص المبتكرة التي تجيد المزج بين المدارس وتتفوق على مسطرة الناقد، تقول باسمة:
“نبتت الأشواك فوق أغصان ورد الجوري القرمزية على فستانها الأبيض”.
بالطبع يدرك المتلقي أنه ما من شوك ينمو على ورد مرتسم على ثوب امرأة، لكن مالذي تريد قوله باسمة هنا؟
فالثوب رمزية للكيان، نقول في المثل الدارج:
“هذا مو من ثوبنا”
“حلاة الثوب رقعته منه و فيه”
الثوب هو الكيان، أو هو ما نرتديه، ما نظهره، و ما نبدو عليه!
فالشوك العنيد هنا ينبت على فستان المرأة التي قررت الإنعتاق، في رمزية مدهشة، مقنعة، تدل على تبدل موقف الشخصية، وإصرارها على التحرر من بؤسها، وإقرارنا مع الكاتبة أن الحلول تنطلق من الشخص نفسه في لحظة قرار حاسمة حين لا يكتفي بندب الحظ وقبول دور الضحية.
و الحقيقة أن النص كان متوازنا، بمعنى أن القفلة كانت مبشرة بالخلاص متضامنة مع العنوان بكلمة (إشارة)، ولم تقل أن لحظة الخلاص قد حانت، و لم تقدنا لقطعية ملامح ذلك الخلاص، لكنها أشارت بذكاء أنها بشارة وأن الدرب لم يزل طويلا.

اللغة:
لغة موزونة، حانية، تناسب جو النص، ترفد الحزن بصورة عذبة، ذكية التراكيب جدا، لا تبالغ في الشعرية، ولا تقدم الحدث بجفاف.

تساؤل أخير؛

هل يعتبر هذا النص مكثفا؟
إن وضعنا بالإعتبار الأسس النقدية أو خصائص القصة القصيرة، فإن الفقرة الأولى للنص لم تقدم معلومات حصرية، فمن خلال الفقرات الأخرى سنعرف كل المعلومات التي وردت من قبل؛ ١٥ عام زواج، فظاظة الزوج، البخل.
فقط الإسم هو المعلومة الحصرية.
لكن رغم ذلك لا نستطيع أن نعتبر النص مترهلا. فجودة السبك تقتطف منا الرضا التام عنه، و هنا يبرز تساؤل ملح:
هل نعامل النصوص وفق مسطرة نقدية صارمة؟
أم أن وحدة النص وتفاصيله تحتم علينا احترام كيانه بإطلاق؟