تمر علي بعض اللحظات التي أكون فيها خاوي الفكر، مشتت الذهن، لا أملك حتى فكرة واحدة في رأسي، وكأنما الأبواب قد سدت في وجهي. أحاول أن أكتب شيئا حتى كلمة واحدة فلا أستطيع. أنسج من وحي خيالي كلمات فتخرج بلا معنى، مبعثرة كأنما طفل قد فرغ من العابه. يكرر هذا المشهد الحزين – على الأقل بالنسبة لي – كلما ابتعدت عن عشقي المفضل وهو الكتابة لفترات طويلة، وربما يحدث هذا أيضا إذا توقفت عن القراءة ولو لفترة وجيزة، فما إن أعود للقراءة حتى يعاود حبر قلمي للجريان على سطح الورقة البيضاء كأنه نهر يشق طريقه إلى البحر.

لأكون واقعيا وصادقا، فأنا نادرا ما أكتب بالقلم على الورقة، فبعد الطفرة التكنولوجية الهائلة، أصبحت لوحة المفاتيح وشاشة الحاسوب رفيقا دربي عند ممارسة اللعبة المفضلة وهي الكتابة. ولكنني أعود إلى القلم والورقة إذا ما أردت استرجاع ذاكرة الأيام الخوالي وبداية أيام الكتابة. العديد من الكُتاب والمثقفين والمفكرين يفضلون الكتابة على الأوراق البيضاء، وخصوصا القدماء منهم، ربما لأنهم تعودوا على ذلك فلم يعد بمقدورهم الاستغناء عن الورقة والقلم، وربما لأن للورقة والقلم شعورا مختلفا عما إذا كتب وأمامه لوحة المفاتيح وشاشة الحاسوب.

عندما تزورني هذه الضيفة الثقيلة – أو كما تُسمى بحبسة الكاتب – فإنها تستمر لفترة طويلة لأكثر من ثلاثة أيام – وفترة الضيافة عند العرب ثلاثة أيام -، لكنها تأبى أن تتخلق بأخلاقهم فتزورني لمدة أطول، وكما يقول الشاعر عندما وصف الحمى “وزائرتي كأن بها حياء .. فليس تزور إلا في الظلام”، أما حبسة الكاتب هذه فتأتي في الليل والنهار ولأيام طويلة. إنها تحاول ثنيي عن الكتابة وكأنني اقترفت جرما كبيرا بكتاباتي البسيطة، فأنا لا أنتقص أحدا، ولا أسب أو أشتم أحدا، ولا أذم إنسانا أبدا، لكنها أفكار راودتني فأردت إخراجها إلى العلن.

يقول بعض الكتاب عن حبسة الكاتب:” لقد مررنا جميعا بمثل تلك المشاعر من وقت لآخر، كما لو تم نفينا من ملكوت المشاعر والأفكار والكلمات الخاصة بنا”. إنه أمر متعب إن مررت بهذه التجربة من قبل، وسيكون الأمر متعبا أكثر إن كانت التجربة الأولى لك، ففيها ستحس أن لا باب يُفتح أمامك وأنك أمام كابوس حقيقي، وتتمنى أن تنهض من ذلك سريعا. تقول الكاتبة الكويتية بثينة العيسى في مدونتها أن حبسة الكاتب من المفروض أن لا تصيب الكاتب العربي لأنه يكتب عن آلامه وجراحاته ونزيف الدم في الشارع العربي، وإذا ما أصيب الكاتب العربي بها فعليه أن يتذكر الكتاب العرب الكبار من أمثال محمد الماغوط أو غسان كنفاني أو غيرها وسرعان ما تعود مياه الكتابة لمجاريها فتنفرج أساريره ويبدأ في كتابة نصه الأدبي.

كتب كثيرة كُتبت عن “حبسة الكاتب”، ومقالات نُشرت تتحدث عن تعريف لهذه الظاهرة الأدبية، وأخرى كتبت الطرق التي يمكننا بها تجاوز هذه المرحلة، وكتب أخرون أن “حبسة الكاتب” ما هي إلا انتظار لموعد نضوج فواكه النص الأدبي كما يقول الكاتب العماني عبدالله حبيب. ولكن لا يزال السؤال المطروح ماذا نعمل؟ وكيف يمكننا التخلص من “حبسة الكاتب”؟ وهل هناك طرق مساعدة. نعم لقد ذكر الكثيرون في مقالاتهم وكتبهم وأطروحاتهم بأنه يمكن للكاتب الذي يعاني من الحبسة وعدم تدفق الأفكار أن يدون كل ما يشاهده ويسمعه في دفتر صغير، وإذا ما أراد أن يكتب فما عليه سوى التوجه إلى هذا الدفتر الصغير، وستأتيه الأفكار تباعا.

البعض الآخر يقول، أكتب ثم أكتب ثم أكتب، فحتى لو كانت كتابتك رديئة، فما هي إلا المسودة الأولى، وبعد ذلك يمكنك تعديل ما كتبت، وإخراج النسخة الأجمل، بل ربما أجمل شيء وأفضل شيء كتبته. وأخرون يقولون، إنسَ الأمر، وتابع عملك، وستأتيك الكلمات من حيث تدري ومن حيث لا تدري، فما هذه الحبسة سوى ظرف طارئ يمر على الكاتب.

أما أنا، فليست لدي طريقة معينة للتخلص من “حبسة الكاتب”، فأحيانا أشاهد فيلما سينمائيا، ولمَا يبدأ الفيلم بعد حتى تتطاير الأفكار في رأسي يمنة ويسرة، فأدونها في دفتر المذكرات في هاتفي النقال، أو في ورقة صغيرة أحملها معي دائما. وأحيانا أتوقف عن الكتابة، لأقرأ نصوصا أدبية، روايات ومقالات وقصص، بل وأحيانا أتجاوز ذلك لأقرأ كتابا عملية أو سياسيا، فمتى ما فعلت ذلك، عادت الكلمات إلى تسبح في فضاء أفكاري، وأبدأ بعدها بكتابة نصي الذي انتظر.

إذاً، لكل منا طريقة وأسلوب في التخلص من “حبسة الكاتب”، وحيث أنني أؤمن بأن الجميع مبدع، ولكن إبداعه يتنظر فرصته ليظهر، فأنت وأنا نستطيع أن نبدع في ابتكار اساليب جديدة للتخلص من “حبسة الكاتب”، لُنخرج نصوصا إبداعية تُعجب القارئ والناقد على حد سواء. جرب طريقتك في التخلص من “حبسة الكاتب”، فربما يخرج لنا نص جميل نستلذ بقراءته.