فقدٌ ثانٍ..

سقوطٌ آخر..

تسقط الحرب.

لم أدرِ أأُلملمُ فتات قلبي المسحوقِ بحذاء الجندي الحقير ، المُبعثر في أرجاء المنزل ، أم أركض لجسدِ أخي وأحمله من على بركة الدماء التي غرق فيها ، أم أُسعف أخي الأصغر وأُغمض عينه كي لا يرى سقوط أخيه..

لا أدري

أنا خائفة

أريد ماما.

رحتُ زحفاً إليهِ ، أبكيه طفلاً.. فيبتسم لي كرجلٍ أتمّ فريضته..

“إنني سأؤنس أمي الآن وأذهب وحشتها. أحبكِ”

وأغمض عينه فسقطت الشهبُ وماتت الأحلام وعُدِمت الطفولة..

سقطتُ بسقوطه

تسقط الحرب.

مرّت سنتان على رحيل أخي التوأم وأمي ، لم يبقَ سواي أنا وأخي الأصغر. كُنت في كلّ فجرٍ أُرافق خيوط الصباح إلى قبره ، أجلسُ على قبره وقبر والدتي في كلّ يومٍ وأحادثهما ، أحكي لهما قصّة موتي. فهُم الأحياء تحت الأرض ونحن الأموات فوقها.

“أخي.. كيفَ حالكَ وحالُ والدتي؟

لا .. لا .. أعتذرُ على السؤال الأحمق.

أعلمُ أنكُم بخيرٍ ولكن.. نحنُ لسنا كذلك.

لا نزالُ ننامُ على صوتِ الجنديّ الحقير الدويّ في الشارع

ونستيقظُ على أصوات الرصاصات والحرب. إن الحرب قد سلّت سيفها ضد طفولتنا. أنقذونا. خذونا إليكم”

“سيدي المسيح..

كما أحييتَ سام بن نوح.. وكما أعدتَ الحياة لابن العجوز وعازر ، أحيِ أخي. بحقّ أمّك القدّيسة يا سيّدي أحيِه. إنني أحتاجُه جداً ، فأنا ضعيفةٌ ولا أزالُ أتهاوى يوماً بعد يومٍ اقتراباً من غيهبِ الموت ، لا قوّة لي دونَ وجوده ، مُساندته. أدع الله باسمه الأعظم ليُعيد ليَ أخي.. اتلُ على الله قصتي ، وجعي وضعفي. إنني أصبحتُ أماً وأباً وأختاً وأخ. إن كلمة “أخٍ” ما عادت تخرجُ من فمي إلّا على هيئةِ توجعٍ وشكوى. إن شبابيَ قد شابَ وكهلَ وبدأ يحتضر والحرب لمّا تنتهي بعد! وهل ستنتهي؟

 

هل ستقبلُ الحربُ بالتوقف عن الحرب؟ لا أظن ذلك.

إن الحرب لن تقبل بالرّحيل حتى ترتشفَ دمَ آخر طفلٍ على وجه الأرض ، حتى تدهسَ شباب آخر مراهقٍ برجلِها ، حتى تثكلَ آخر أمٍ وتقتل آخر أب.

إنها قد أخذت مني والدي ووالدتي ، ومن ثمّ أخي التوأم. لم يبقَ سوايَ أنا وأخي الأصغر ، مختبئين تحتَ سقف البيتِ المهدومِ من وحشِ الحرب.

إنني قد حملتُ في قلبي ألم فقدينِ أمام عيني ، وفقد أبي أيضاً. إنني رغم طفولتي حملتُ على عاتقي ألم أسرةٍ كاملةٍ ووجعها ، رجلي ما عادت تقدرُ على حملي.

 

انظُر يا مَن “مِن أفواهِ الأطفال والرضع أسّست حمداً”سفر المزامير:إنجيل متى.

انظر إلى ما أسست الحرب. إنها صيّرت الأطفال شباناً لا يفقهون سوى الموت في سبيل الكرامة. إنها سلبتهم طفولتهم وحياتهم ، وفرحهم.

إنني أسقطُ ، أزحف

أزداد اقتراباً ودنوّاً من الموت

تسقط الحرب.

أرجوكَ يا عيسى بن مريم.. يا روحَ الله ساعِدني ، كُن معي”

وبعد مرور ليلَتين ، في الصباح ، بجانب قبر أخي. رأيته

كانَ يقترب من البعيد ، نزل من السماء على سلمٍ من نور ، هُو و.. روح الله!

والله رأيتهُ يقترب أكثر فأكثر ، كان النورُ قد كسى الأرض كلّها ، وكلّ القبور.. اختفت! كلّ الشهداء صاروا جيشاً إلهياً واحداً ، خلفَ المسيح.

 

اقترب أخي منّي ، ابتسم ومن ثمّ ضمّني ضمّة الشائق البعيد. أخذتُ أبكي كنوح الطفل الصغير..

“ششش لا بأس.. أنا هُنا أختي. إن الشوق سينتهي..

سنلتقي قريباً ، أعدكِ.

والآن.. انظُري إلى الأعلى..”

 

رفعتُ نظري ، رأيتها واقفةً على قمّة السلم ، هيَ و.. السيدة مريم!

ابتسمتا ، سمعتُ صوت أم المسيح يعلو ، يُناديني..

“يا قدّيسة الحرب..

اللقاءُ قريبٌ جداً ، وسقوط الحرب أقرب.

كوني مستعدةً للعُروج”.