أخذت مني الكثير ، الكثير..

سلبتني طفولتي وابتسامتي

اقتلعت الحياة من بين جنبيَّ

وفي النّهاية ؛ انتشلت أمي بكلّ وحشية.

تسقط الحرب.

إن الحنونة قد رحلَت. إنني وأخوتي لسببٍ لا أدريه طُردنا من الجنّة وصِرنا بين حربٍ وحرب. الموتُ يداهمنا من كلّ جانب. أخوانيَ أصبحوا يحتمون بيَ من الرعب ويشكون إليَّ خوفهم..

والمُشكلة الكبرى أنني.. خائفةٌ أيضاً.

إنني خائفة ، مشتاقة ، غاضبة ، كلّ تلكَ المشاعر تتضاربُ في ، أُريد النجاة من صراعاتي لأستطيع مواجهة العالم.

إنني أشتاقُ لوالدتي ، أنا ضائعةٌ دونها ، لا أدري كيفَ أُزيل الخوف من قلوب إخوتي. في الحقيقة.. لا أعلم كيفَ سأحميهم من الخوف وأنا بذاتي خائفة!

 

أمي..

لِم لَم تعلميني كيفَ أنجو في الدنيا؟ لم رحلتِ هكذا؟ بطريقةٍ مؤلمةٍ فُجائية؟ إن الرّصاصات تخترقُ روحيَ يومياً ، كتلكَ  التي أخذتكِ مني.

 

يجب عليَ كبت كل تلكَ المشاعر ، إنها ستسبب ضعفي وربما حرماني من إخوتي. عليّ تصدي كلّ تلكَ الآلام ، عليّ الوقوف والمحاربة. كما كانت تفعل أمي.

بعد مرور عدّة أشهرٍ كانَ إخوتي نيام ، وكُنت كالعادة أُرافق السهر والخوف. إنني لا أحب النظر إلى الأرض فهي  … مليئةٌ بالدماء المُراقة ظلماً. إنني دائماً ما أرفعُ نظريَ إلى السماء ، أُعيد ترتيب النجوم المبعثرة لأخلق ملامح أمي وابتسامتها ، لأحاكيها وأشكو لها ، وأبثّها دمعي.

وبينما أنا أحادثها ، صرخَ أخي التوأم بإسمي صرخةً عاليةً ، ركضتُ إليه وأنا أتمالك أعصابي كي لا أخرّ مرعوبة. ضممتهُ إلى صدري وسألته ماذا حدث

وبصوتٍ تتملكه الرجفة قال

“إنني.. إنني رأيتُ أمي…

كانت… كانت.. تب..كي. كانت تبكي.

ولكنها كانت في الجنة..

رحت لها فضمّتني إليها وشمّت قميصي وقبّلتني في نحري”

ثمّ أخذ يبكي بكاء الطفل الصغير

“إنها قالت ليَ أنها مشتاقةٌ لنا يا أختي

وبشّرتني بلقاءٍ قريبٍ جداً.”

لم أُجبه ، ولم أُبدِ أي ردّ فعل..

ولكنني أتهاوى أمام الحرب

أريد ماما.

في اليوم ذاته صباحاً ، كنت أضمّ إخوتي تحت جناحيَ المضمّد كي أبان حيّةً غير مجروحة. سمعنا صوتَ ركلٍ للباب. تراكضت شظايا الماضي وتكدّست على فؤادي مُرغمةً إياي على السقوط ولكن.. أنا أم إخوتي الآن. والأمّ لا تسقطُ أبداً.. أبداً.

أخذتهمُ للحجرةِ وأغلقتُ الباب عليهم مع غضبٍ من أخي التوأم ، لأنه كما يدّعي “الرجل المسؤول عنّا” ولكنني لا أحتمل خسارةً أخرى ، أفضل خسارة نفسي على خسارةِ من هم أهم مني.

ركل الباب ودخل والسيجارة بيده.. رؤيته فقط أسقطتني أرضاً..

إنه هو ذاته ، هو ذلك الحقير ابن الخوفِ الذي رماني في جبّ اليتم أتجرّع نغب الفقد أنفاساً ، أجمعُ رفات الموتى وأرثيهم. هو .. هو من أخذ أمي مني.

وقفتُ في وجهه أصرخ

“أاستجمعت قواكَ إيها الجبان وعُدت لتُرسلني للموت؟”

ضحك.. إنه كالغبي -وهو غبيّ فعلاً- يضحك!

“لا ياعزيزتي ، بل جئتُ أسلبكِ الأغلى”

“فتّشوا المنزل” زجرَ بالرجال الذين معه

“ماذا تريد.. لمَ أنا؟

أخذت أمي.. ألم تكتفِ؟”

اقترب مني ، ووضع يده القذرة على وجهي

“لن أكتفِ حتى أراكِ تتلوّين ألماً وِسط بحيرةٍ من دماء أحبّائك..

يا طِفلة”

تزعزع الكونُ في داخِلي ، لم تعُد رجلي قادرةً على تحمّل ثقل هذا الألم أيضاً. سقطتُ على الأرض أبكي..

تسقط الحرب.

رأيتهم يجرّون إخوتي إلى وسط المنزل..

“إذاً أيتها الصغيرة..

أيهما تريدين أن نقتل أولاً؟”

لم أجب ، بل صبّت الدمعاتُ من عيني وأنا أرى إخوتي على وشك الرحيل. أخي الصغيرُ يبكي بشدّة ويهمس بـ”ماما” ونظرات الغضب تنفجر من أخي التوأم.

ركلني ذاك الجنديّ الجبان..

“أجيبي أيتها الحمقاء!

وإلا قتلتهما دفعةً واحدة”

اغتاض أخي التوأم فصرخ في وجهه كابحاً دموعه

“إياك والاقتراب من أختي وإلا قتلتك..”

ضحك الحقير مجدداً..

“أحقاً؟

سنرى….”

أخرج سلاحه وأطلق رصاصةً إلى صدر أخي

صرخَ ، اقترب منه الجبان

“إذاً.. أقلتَ أنكَ ستقتلني؟”

سقط أخي أرضاً

تسقط الحرب