من الخيام و من في هذه الصحراء القاحلة قد شد رأسه بحزنٍ أليم ، الرؤوس بدأت تشيب و العطش أنهك القلوب وفتت الأرواح ، الليلة الثانية بعد منع الماء
امهات و أطفال تنتظر جرعة / شربة من الماء
الليل حالك و الظلام دامس اكثر مما ينبغي
الأنصار تتمتم و تهتف بصوتٍ منخفض لا يكاد يسمعه من في خارج الخيام / لبيك ياحسين
إلا ذاك الحسين يعلم ، ويسمع ما تكنه القلوب
لم يأمرهم بالنصرة هذه الليلة فقد جعل سواد الليل يحدد له من سيكون له ناصراً و معين لربما البعض يعود لعائلته او يتنحى عن نصرته
لم يغفل عنه العباس و لم تغفل عن سؤاله زينب
زينب التي كان يستتر الليل بعباءتها خوفاً من فجر يوم العاشر ، في الجهة الغربية و على هذه الضفة العباس يسترسل في سؤال الأنصار ماذا سيفعلون غداً وهل لأبناء العم و الاصحاب من ناصرٍ ينصر سيد الشهداء
حتى هتف الجميع و ارتفعت الأصوات إنهم سيقدمون أرواحهم قبل الحسين

هي الليلة الأخيرة التي يجتمع فيها العباس و الأصحاب ، في الخيام رغم سواد الليل إلا انه مستعدون على الفداء و التضحية
اخفض هذا الليل جناحه من الخجل  إلى رحمة الحسين ، وبدأ الحسين يغرق في ظلامه ، مصلاه قد فُرش كالعادة ، من فرشه ياترى
رقيه تلك الطفلة التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها
نذرت روحها الصغيرة لخدمة الحسين ، كانت عيناها شاحبة كل ساعة ترمق أبيها بنظرة ، الحسين يراها ينكسر قلبه
يمسح على رأسها ، هكذا بقي حتى انشق القمر و جعل الليل و الخيام له مسجداً ، كل من في الخيام ينظر الحسين
يبكي لبكاءه ، لطول سجوده ، حتى تلك الطفلة
لم تترك ابيها إلا بعدما أخذت منه قبلات الوداع ، تضع يدها في يد ابيها الحسين وهو يدعوا ربه ، كأنها تخاطب رب السماء رباه احفظه لي ،

طالت مناجاة الحبيب بحبيبه ، حتى ظهرت خيوط الفجر في السماء ، ارتحل الليل حزيناً و أشرقت الشمس الحارقة

ساعة بعد ساعة والعطش يذيب القلوب ، و الأطفال و النساء يتصارخن العطش العطش ياعباس ،

مابال هذه السماء لا تمطر ماءً ، تسائلت سكينة
واجابها الحسين خلف الخيام ، لا يريد أن تعطش شيعته يوم القيامة ، آه صرخت ، احتضنها ، أوصاها ان تبلغ شيعته عنه السلام ،

أما زينب كانت ترى الحسين يذبل ساعة بعد ساعة
شفاه تمزقت و يبست ، حتى ذاك الرضيع جف صدر أمه

الله أكبر ، حي الصلاة حي الصلاة
غرقت عين زينب بالدموع ، علمت انها اخر صلاة يصليها الحسين
لم تكن رقيه هذه المرة قادرة على فرش سجادته ، النساء ينظرن الحسين و كيف ترك ساحة الحرب
و جاء للصلاة ، خلفه العباس و الاكبر و القاسم والأنصار
قد عادوا من ساحة الحرب ، الصلاة قد أقيمت
و سِبْط رسول الله و حرمه تقتل و تسبى نساءه
هذا اليوم وهذه الساعة نصرة الحسين خير العمل / وخير من كل عمل  .