حضرت الليالي الأولى من شهر مُحرّم الحرام 1437هـ في مجالس مُختلفة لإحياء ليالي عاشوراء الإمام الحُسين (عليه السلام)، لم أكن أتصوّر بأنني سأحُشر في الليلة الأولى في لحظة عزاء اللطم!، عادةً الليلة الأولى يكون الحضور فيها بسيط مقارنة مع بقيّة الأيّام، وعادةً يتصاعد عدد الحضور وصولاً إلى الليلة السابعة والثامنة والتاسعة ويصل إلى قمّة الجماهيرية في ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء الأليم؛ إلا أنني لاحظت فعلياً حضور عُشّاق الإمام الحُسين (عليه السلام) منذ اللحظة الأولى، والتصاعد مُستمر، فالليلة الثانية ازداد الحضور والليلة الثالثة بدأنا بالشعور بالازدحام، لم يكن خيالي البسيط يتوقّع هذا الحضور الحاشد، وهُنا يمكنني شُكر الجميع من مواكب إطعام –التي أعشقها- وخدّام الإمام الحُسين (عليه السلام) المتعاونين مع رجال الأمن الذين يقدّمون خدمات كبيرة لتأمين هذه الحشود الكبيرة، حفظ الله الجميع.

قبل انطلاق شهر مُحرّم الحرام هذا العام انطلقت كلمات الخُذلان، كلمات التخويف، كلمات زرع الرُعب في القلوب، إلا أنّ الحضور لم يقل كما توقّع الكُتّاب المتشائمين، بل ازداد وأبهر العيون، سألت الأصدقاء الذين يحضرون مجالس مُختلفة عن التي أحضر فيها، وكان الجواب أنّ الحضور حاشد فعلياً، ولا مجال للمقارنة مع العام الماضي، فالحضور في الليالي الأولى كبير –ربّي يحفظهم أين ما كانوا- “إلا عُلوّا” تتجدد هذه الكلمة في كُل تحدّي مع عشّاق الإمام الحُسين (عليه السلام) وفي كُل محاولة لإسقاط اسم الإمام الحُسين (عليه السلام) من التاريخ.

للأسف الرايات الدالة على دخول شهر الأحزان أصبحت قليلة، ومواكب الإطعام على حُب الإمام الحُسين (عليه السلام) أصبحت أقل مُقارنة بما مضى، إلا أنّ هذا الأمر يجب أن يحثنا على بذل المزيد والمزيد في أماكن مُختلفة يُمكننا عبرها تقديم الخدمات باسم الإمام الحُسين (عليه السلام)، لا أن نتوقّف عن تقديم مثل هذه الخدمات، فمواكب الإطعام موجودة بالقُرب من المجالس الحُسينية، وداخل نطاقها، جميل أن تتعاون هذه المواكب لتقديم خدمات استثنائية لزوّار مجالس الإمام الحُسين (عليه السلام).

قلقي تبدّد فعلياً بعد أن أعدت قراءة هذه الرواية التي ذكرها المجلسي في (البحار ج44 ص293) “عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنّه لمّا أخبر فاطمة (عليها السلام) بقتل ولدها الحسين (عليه السلام) وما يجري عليه من المحن، بكت فاطمة بكاءً شديداً، وقالت: يا أبت! متى يكون ذلك؟ قال: (في زمان خالٍ منّي ومنك ومن عليّ). فاشتدّ بكاؤها، وقالت: يا أبت! فمن يبكي عليه، ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟ فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا فاطمة! إنّ نساء أُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجدّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلّ سنة، فإذا كان القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال، وكلّ من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة)”، كلمة “جيلاً بعد جيل” كلمة مُلهمة، تجعلنا نؤمن، ونُحلّق في هذه الخِدمة ولا نتخلّف عنها لنكون ضمن هذه الأجيال التي يشفع لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة الزهراء (عليها السلام).

البقاء في خِدمة الإمام الحُسين (عليه السلام) ليستَ مسألة تخضع للمعادلات البسيطة، هيَ جُزء من التكوين، ذكرها لنا الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وعلى آله) فلا يُمكن أن تختفي هذه الأجيال التي تخدم وتبكي وتُجدد العزاء.