عشرون يومًا مضت وشيعة زينبٍ ما ذاقوا طعم النوم الهانئ ولا التذّوا بشرب ماءٍ ولا ارتاحوا في لباس، فمولاتهم وسيدة الخدر تمشي مُرغمةً في لُبّ الصحراء القاحلة ولهيب الفقد يشتعلُ في قلبها، ببقايا عباءة أكلت منها النار،مشتملةٌ على  دماءٍ قانية حملتها عند مرورها بالجراح التسعمئة والألف..

 

عشرون يومًا والعالمة غير المعلّمة تحتار وقت الصلاة أين تُصلّي وكيف تُخفي شخصها عن الرجال، وفي وقت السَحر لا تدري كيف تصلي الليل وتناجي ربّها وهي على ظهر الناقة العجفاء في موكبٍ يحثّ سيرهُ ليل نهار، وقلبها محترقٌ على حال طفلاتها الناعسات لا يعرفن طريقًا للنوم فإذا غفت إحداهن سقطت من فوق ظهر الناقة فتحتار زينب هل تبقى مع الأخريات أم تلحق بمن سقطت فيمشي المحمل بالبقيّة.

 

ويطلع الصبح من جديد وعيناها محمرّتان من الحزن والسهر والقلق، وانتظار الشام. تنظر إلى زين العابدين فترى ثوبه الأحمر من سيل الدماء، دماء عنقه المكبّل بالحديد والمسامير. وتتأمل كمّ الثقل المعدني على جسده كلّه، والشمس تُرسل حرارتها إلى تلك السلاسل فتتوهّج حرارةً ليحترق جلد الإمام، ويتلوّى..

تتمنى لو تبقى في المسر ولا تصل أرض الشيطان، الشام المشؤومة.

 

فغدًا تبدأ المصيبة الكُبرى..

غدًا تقفُ ثلاث ساعات في وضح النهار على بوابة الشام تنتظر فراغ عدوها من تزيين بلاده، لأنها بعد كل تلك السنين خرجت من خدرها، مسبيّة!

غدًا تدخل مجلسًا يُعربد فيه الشيطان ويرقص فيه فرحًا على قتل الوحي، بعدما كانت في بيوتٍ أذن الله أن تُرفع.

غدًا يُشار على ابنت فاطِمة بالبنان والضحكات!